إتفاق سياسي ينهي عقدًا من الإدارة الذاتية الكردية ويفتح ملف السيطرة على النفط والحدود
دخول القوات الحكومية السورية مدينة الحسكة دون اشتباكات ينهي عمليًا تجربة الحكم الذاتي الكردي في شمال شرق سوريا بعد اتفاق مع قوات قسد.
في تحول سياسي وأمني بالغ الدلالة، دخلت القوات الحكومية السورية مدينة الحسكة، ذات الغالبية الكردية، منهية عمليًا مرحلة استمرت أكثر من عشر سنوات من الإدارة الذاتية الكردية في شمال شرقي سوريا، دون أن تُسجَّل أي مواجهات مسلحة تُذكر.
دمشق تعود إلى الشمال الشرقي بلا رصاص
الانتشار الأمني الجديد جاء تنفيذًا لاتفاق أُبرم مؤخرًا بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يقضي بإعادة دمج الهياكل العسكرية والإدارية الكردية ضمن مؤسسات الدولة المركزية، بعد سنوات من واقع سياسي شبه مستقل فرضته الحرب وتعقيداتها الإقليمية.
وبحسب ما رُصد ميدانيًا، تحركت أرتال عسكرية تابعة لوزارة الداخلية السورية باتجاه مركز مدينة الحسكة، وسط إجراءات أمنية مشددة وحظر تجول مؤقت أعلنته السلطات الكردية لتسهيل دخول القوات الحكومية. المشهد كان هادئًا على غير العادة، في مدينة اعتادت التوتر والاصطفافات المسلحة.
نهاية تجربة «روجافا»
هذا التطور يُعد بمثابة إعلان غير مباشر عن إسدال الستار على تجربة روجافا، التي نشأت عام 2012 مستفيدة من انشغال الدولة السورية بالحرب، ثم توسعت بدعم غربي خلال المعارك ضد تنظيم «داعش». التجربة، التي رُوّج لها دوليًا كنموذج للحكم المحلي والديمقراطية القاعدية، تصطدم اليوم بواقع سياسي جديد لا يعترف بالكيانات الخارجة عن سلطة دمشق.
القامشلي على الخط.. وكوباني في الانتظار
من المتوقع أن تمتد التحركات الحكومية خلال الساعات المقبلة إلى مدينة القامشلي القريبة من الحدود التركية، فيما لا يزال مصير كوباني أكثر غموضًا. المدينة، التي تحولت إلى رمز عالمي للمقاومة ضد «داعش»، لا تزال تحت السيطرة الكردية لكنها محاصَرة فعليًا، في انتظار تسوية قد تختلف في تفاصيلها عن الحسكة والقامشلي.
النفط والحدود أولًا
مصادر مطلعة تشير إلى أن الخطة الحكومية لا تقتصر على الانتشار الأمني فقط، بل تشمل استعادة السيطرة على المعابر الحدودية، ومطار القامشلي، وحقول النفط، والمنشآت العسكرية خلال فترة زمنية قصيرة، لا تتجاوز عشرة أيام، ما يعكس أولوية الدولة لإعادة الإمساك بمفاصل السيادة والموارد.
من الحلم إلى التسوية القاسية
الاتفاق الأخير يعكس ميزان قوى مختلًا: قوات كردية مُنهكة، فقدت الغطاء الأمريكي، في مواجهة سلطة مركزية تسعى لإعادة تثبيت نفوذها بدعم إقليمي. وبموجب التفاهم، ستُحلّ التشكيلات العسكرية الكردية أو تُدمج داخل الجيش السوري النظامي، مقابل حزمة محدودة من الحقوق الثقافية، أبرزها الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية غير رسمية، ومنح الأكراد وثائق رسمية كانوا محرومين منها سابقًا.
تسوية تمنع الحرب… ولا تُنهي الأسئلة
اللافت أن هذا التحول جاء بعد أشهر من اشتباكات دامية شهدتها مناطق سورية أخرى، ما يجعل التسوية مع الأكراد استثناءً هادئًا في مشهد سوري مضطرب. غير أن الهدوء لا يُخفي حجم الأسئلة المفتوحة: هل ما جرى اندماج فعلي أم إعادة إخضاع؟ وهل تمثل هذه الخطوة بداية استقرار، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع لم يُحسم بعد؟
في المحصلة، ما جرى في الحسكة لا يمكن قراءته كحدث محلي عابر، بل كمؤشر على إعادة رسم خريطة السلطة في سوريا، حيث تتراجع مشاريع الحكم الذاتي تحت ضغط السياسة، وتعود الدولة المركزية لاعبًا وحيدًا… حتى إشعار آخر.










