توم براك (Tom Barrack) أصبح خلال الشهور الأخيرة واحداً من أكثر الأسماء إثارة للجدل فى ملف العراق، بعدما انتقل من عالم الاستثمار والعقار إلى قلب صناعة القرار الأمريكى فى الشرق الأوسط، ليتولى إدارة «الملف العراقى» لصالح إدارة الرئيس دونالد ترامب.
من هو توم براك؟
رجل أعمال ومستثمر أمريكى بارز من أصل لبنانى، اشتهر فى وول ستريت وقطاع العقارات قبل دخوله بقوة إلى عالم السياسة بجوار ترامب.
يُعرَف بقربه الشخصى والسياسى من الرئيس ترامب، وسبق أن لعب أدواراً خلف الكواليس فى التواصل مع عواصم عربية ضمن مقاربة البيت الأبيض للشرق الأوسط.
عاد اسمه بقوة خلال 2025 مع تعيينه سفيراً للولايات المتحدة فى تركيا ومبعوثاً خاصاً لسوريا، قبل أن يمتد نفوذه التدريجى إلى ملفات العراق ولبنان والمنطقة ككل.
كيف دخل توم براك على خط العراق؟مصادر حكومية عراقية ووزير الخارجية فؤاد حسين أكدوا أن واشنطن أوكلت إلى توم براك «إدارة الملف العراقى» والتواصل مع القيادات العراقية، ليحل عملياً محل المبعوث السابق مارك سافايا رغم غياب إعلان أمريكى رسمى حتى الآن.
حسين قال فى مقابلة تلفزيونية إن «مارك سافايا لم يعد مبعوث ترامب إلى العراق، وتوماس براك هو من يدير الملف العراقى بدلاً عنه»، بينما أكد ثلاثة مسؤولين فى بغداد أن براك هو من يتولى الاتصالات مع الحكومة العراقية خلال الأيام الماضية.
التغيير جاء وسط توتر متصاعد بين واشنطن وبغداد حول احتمال عودة نورى المالكى إلى رئاسة الحكومة، ومستقبل الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران داخل الحشد الشعبى، وهى الملفات التى ترى إدارة ترامب أنها تمس مباشرة ميزان النفوذ الإيرانى فى العراق.
ما طبيعة دوره ومهامه فى العراق؟
توم براك يتحرك اليوم بوصفه «المسؤول الفعلى» عن الاتصالات الأمريكية مع بغداد، حيث تذكر مصادر عراقية أنه تواصل خلال الأيام الأخيرة مع وزير الخارجية فؤاد حسين، ورئيس الوزراء محمد شياع السوادنى، وزعيم الحزب الديمقراطى الكردستانى مسعود بارزانى لنقل «الرؤية الأمريكية» تجاه الحكومة والفصائل المسلحة.
يُنظر إليه داخل الإدارة باعتباره «أكثر تشدداً» فى ملف إيران والجماعات المسلحة، مقارنة بسافايا، ما يعنى أن حضوره قد يدفع واشنطن نحو مواقف أكثر صرامة حيال الميليشيات المقرّبة من طهران وتركيبة السلطة فى بغداد.
فى لقاءاته وتصريحاته العلنية، وصف براك العراق بأنه مثال مكلف لسياسات يجب ألا تتكرر، متحدثاً عن استثمار بنحو 3 تريليونات دولار وعقود من الحرب انتهت إلى بلد مفكك وتعاظم نفوذ إيران، وهو ما يقدّمه كمسوّغ لضرورة إعادة صياغة النهج الأمريكى فى العراق.
توم براك بين سوريا والعراققبل تحوّله إلى «قيّم» على الملف العراقى، كان براك مبعوثاً خاصاً لسوريا وسفيراً فى أنقرة، حيث لعب دوراً فى رسم ملامح الإستراتيجية الأمريكية الجديدة فى المشرق، وربط بين ملفات سوريا ولبنان والعراق ضمن مقاربة واحدة للأمن الإقليمى.
خلال مشاركته فى حوارات الأمن الإقليمى فى البحرين، طرح رؤية تعتبر أن المنطقة بحاجة إلى «أفعال جريئة لا دبلوماسية بلا نهاية»، داعياً إلى إعادة هيكلة دور الميليشيات، وتخفيف العقوبات على دمشق مقابل إعادة إدماجها اقتصادياً، وتعزيز محور إقليمى منسّق ضد إيران، وهى رؤية يجرى إسقاطها تدريجياً على الساحة العراقية.
فى لقائه برئيس الوزراء العراقى محمد شياع السوادنى، شدّد براك على «الدور الأساسى» الذى يمكن أن يلعبه العراق فى دعم استقرار سوريا، وفى الوقت نفسه تعزيز موقع بغداد الإقليمى ضمن توازن جديد بين واشنطن وطهران.
لماذا يثير دوره فى العراق الجدل؟
تعيين رجل أعمال ومستثمر، لا دبلوماسى محترف، فى موقع يمسك بعدة خيوط حساسة كالعراق وسوريا ولبنان، أثار انتقادات داخل الأوساط الدبلوماسية والأكاديمية الأمريكية التى ترى أن خطابه أحياناً «غير دبلوماسى» ويهدد ما تحقق من تحسن فى العلاقات مع بغداد.
ناشطون ومراكز فكر عربية وغربية تتهم براك بأنه يقدّم مقاربة «استثمارية–أمنية» للمنطقة، تحوّل رفع العقوبات وإعادة الإعمار إلى أدوات لفرض اصطفافات سياسية جديدة، وتتعامل مع السيادة العربية كمتغيّر يمكن التفاوض عليه مقابل الاندماج فى الرؤية الأمريكية–الإسرائيلية الأوسع.
فى المقابل، ترى دوائر قريبة من ترامب أن خلفية براك الاستثمارية وشبكة علاقاته الممتدة مع النخب الاقتصادية والحكومية فى الشرق الأوسط تمنحه قدرة على إنجاز «صفقات سريعة» فى ملفات متشابكة مثل الطاقة، وإعادة الإعمار، وترتيب وضع الميليشيات، وهو ما تعتبره الإدارة الحالية بديلاً عملياً عن بطء المسار الدبلوماسى التقليدى.
آفاق الدور الأمريكى عبر توم براك فى العراقالمؤشرات الأولية تفيد بأن إدارة ترامب تستخدم توم براك كأداة لإعادة ضبط تموضع واشنطن فى العراق، عبر الضغط على بغداد لمنع عودة المالكى، وتحجيم نفوذ الفصائل الموالية لإيران، وربط الساحة العراقية بشكل أوثق بالملف السورى ومسار التطبيع العربى مع دمشق.
تصريحات براك عن «بلقنة العراق وسوريا» وتحذيره من تكرار التجربة العراقية تعكس إدراكاً متأخراً فى واشنطن لكلفة الغزو والفيدرالية المشوّهة، لكنه فى الوقت نفسه يدفع باتجاه حلول تعيد تدوير النفوذ الأمريكى بدلاً من الانسحاب، عبر إعادة صياغة قواعد اللعبة السياسية والأمنية.
مدى نجاح هذا الدور سيتوقف على قدرة براك على موازنة لهجته المتشددة مع تعقيدات الداخل العراقى، حيث تتقاطع حساسيات السيادة الوطنية مع الانقسام الشيعى–الشيعى، وصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وتطلعات الأكراد والقوى السنية إلى تثبيت موقعهم فى أى ترتيبات جديدة.










