ثورة الجهات على رجل قيس سعيّد: 28 نائباً يطاردون عماد الدربالى داخل البرلمان التونسي الجديد
عماد الدربالى، رئيس المجلس الوطني للجهات والأقاليم والغرفة الثانية للبرلمان التونسي، يقف اليوم في قلب عاصفة سياسية داخل قبة البرلمان، بعد تحركات متصاعدة لسحب الثقة منه واتهامات بـ«الانحراف بالأداء» وتحويل مؤسسة دستورية جديدة إلى أداة لـ«سلطة ظل» موالية لقيس سعيّد.
من هو عماد الدربالى وما موقعه في السلطة؟
عماد الدربالى سياسي مستقل انتُخب في 19 أفريل 2024 رئيساً للمجلس الوطني للجهات والأقاليم، وهو المجلس المُستحدث بموجب دستور قيس سعيّد الجديد ليكون الغرفة الثانية للبرلمان إلى جانب مجلس نواب الشعب.
رئيس الجمهورية قيس سعيّد استقبل الدربالى بعد انتخابه وهنّأه، مؤكداً على «أهمية هذه المؤسسة الدستورية» في تشريع القوانين، خصوصاً في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، بما جعل من الدربالى شريكاً أساسياً في هندسة المنظومة السياسية الجديدة التي كرسها الدستور.
بهذا الموقع، تحوّل الدربالى إلى أحد أبرز الوجوه في «الجمهورية الجديدة» التي بناها سعيّد بعد 25 جويلية 2021، في سياق مسار اعتبرته قوى معارضة «انقلاباً على الدستور» وتفكيكاً لمنظومة الانتقال الديمقراطي.
جذور الأزمة: من «مجلس الجهات» إلى «سلطة الظل»مع بداية 2026، بدأت الخلافات داخل المجلس الوطني للجهات والأقاليم تطفو إلى السطح، بعد أن تحرك عدد من الأعضاء ضد ما وصفوه بـ«الانحرافات الخطيرة» في أداء رئيس المجلس عماد الدربالى.
28 نائباً على الأقل وقعوا على مبادرة لسحب الثقة من رئيس المجلس، في خطوة وُصفت في وسائل الإعلام بـ«ثورة ضد سلطة الظل» داخل البرلمان، في إشارة إلى أن الدربالى بات يمارس دوراً يتجاوز رئاسة جلسات المجلس إلى التأثير في توزيع النفوذ والقرارات.
مقاطع فيديو وتصريحات متداولة لنواب معارضين تؤكد أن لائحة سحب الثقة قُدمت بسبب «تجاوزات تمس جوهر أداء المؤسسة»، من بينها طريقة إدارة الجلسات، وتمرير قرارات بشكل اعتبره المحتجون «إقصائياً» و«منحازاً» لخيارات الرئيس قيس سعيّد على حساب النقاش الديمقراطي داخل المجلس.
اتهامات الداعين لسحب الثقة
النواب الذين أودعوا لائحة سحب الثقة يتهمون الدربالى بأنه حوّل المجلس الوطني للجهات والأقاليم من فضاء لتمثيل الجهات والمناطق المهمشة إلى أداة لشرعنة خيارات السلطة التنفيذية، دون توفير نقاش جدي حول انعكاس تلك الخيارات على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة.
الخطاب المعارض يربط بين طريقة إدارة الدربالى للمجلس وبين المسار العام في تونس منذ 2021، حيث عزز قيس سعيّد صلاحياته الرئاسية وأضعف دور الأحزاب والبرلمان، وهو ما وصفته تقارير بحثية بأنه «مسار انهيار ديمقراطي» وتكريس لحكم فردي.
في هذا السياق، تبدو الأزمة مع الدربالى بالنسبة للنواب المحتجين امتداداً لمعركة أوسع حول طبيعة النظام السياسي نفسه، ومدى احترامه لمبدأ الفصل بين السلطات وتمثيل مختلف القوى السياسية والاجتماعية في صناعة القرار.
سياق سياسي واقتصادي خانق يفاقم الاحتقان
تأتي أزمة عماد الدربالى في ظل وضع اقتصادي صعب، حيث يناقش البرلمان التونسي قانون المالية لسنة 2026 بعد قرار السلطات إنهاء التعاون مع صندوق النقد الدولي والبحث عن بدائل داخلية وخارجية لتمويل الموازنة.
الأزمة الاقتصادية تتجلى في تضخم مرتفع وبطالة متزايدة واحتجاجات اجتماعية متكررة، بينما يواصل الرئيس سعيّد تمديد حالة الطوارئ حتى نهاية 2026، ما يثير قلق منظمات حقوقية وسياسية من استدامة «وضع استثنائي» يحد من الحريات العامة.
في ظل هذا السياق، يصبح كل صراع داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك المجلس الوطني للجهات والأقاليم، محمّلاً بدلالات تتجاوز الأشخاص إلى طبيعة الخيارات الاقتصادية النموذجية، مثل التخلي عن وصفات المؤسسات المالية الدولية مقابل تحمّل الداخل التونسي كلفة الإصلاح.
موقف مؤسسة الرئاسة وموازين القوى
رغم عدم صدور موقف رسمي تفصيلي من قصر قرطاج حول لائحة سحب الثقة من عماد الدربالى، إلا أن علاقة الرجل الوثيقة بمسار قيس سعيّد، واستقباله أكثر من مرة في القصر، توحي بأن رئاسة الجمهورية ترى فيه ركناً أساسياً في تثبيت المجلس الوطني كأداة لتنزيل الدستور الجديد على أرض الواقع.
هذا القرب من الرئيس يجعل معركة إسقاطه أكثر تعقيداً؛ إذ لا تتعلق فقط بتجميع توقيعات في المجلس، بل أيضاً بمدى استعداد السلطة التنفيذية لقبول تغيير رجل يعتبره خصومها «واجهة سياسية» لمشروعها، واعتباره أن ذلك قد يفتح الباب أمام إعادة النظر في توازنات النظام بأكمله.
من جهة أخرى، يراهن معارضو الدربالى على استغلال حالة الاحتقان الشعبي من تدهور الأوضاع المعيشية لإضفاء شرعية سياسية وأخلاقية على تحركهم داخل المجلس، في محاولة لتقديم أنفسهم كصوت «الجهات» التي يفترض أن يمثلها المجلس الوطني في الأصل.
سيناريوهات محتملة للأزمة
إذا نجحت لائحة سحب الثقة، فإن ذلك سيشكل أول سابقة داخل المؤسسات التي أفرزتها منظومة قيس سعيّد، وقد يُقرأ كإشارة إلى بداية تصدعات داخل «الجمهورية الجديدة» من داخلها، لا من المعارضة الخارجية فقط.
أما إذا تم احتواء التحرك أو إسقاطه إجرائياً، فسيُنظر إلى عماد الدربالى كمن خرج أقوى من الأزمة، ما يعزز صورته كرجل ثقة الرئيس في البرلمان، لكنه في المقابل سيزيد من حدة الاستقطاب مع شق من النواب والمتابعين الذين يعتبرون أن المجلس فقد استقلاليته وتحول إلى غرفة لتزكية خيارات السلطة التنفيذية.
في كل الأحوال، فإن أزمة الدربالى ليست حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة توتر أوسع يعيشها النظام السياسي في تونس، حيث تتقاطع معارك النص الدستوري مع معارك لقمة العيش، وتختلط حسابات الجهات والأقاليم بحسابات القصر والأجهزة الأمنية والاقتصادية.










