المنشر الاخبارى، القاهرة، 3 فبراير 2026، تشهد مصر خلال الأشهر الأخيرة حالة متصاعدة من التوتر الشعبى تجاه اللاجئين، وعلى رأسهم اللاجئون السودانيون، فى ظل تداخل معقد بين أزمة اقتصادية خانقة، وتزايد غير مسبوق فى أعداد الوافدين، وحملات أمنية واسعة أثارت جدلا داخليا ومخاوف حقوقية.
هذا التوتر لم ينشأ فجأة، بل تراكم بفعل عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية، غذتها الشائعات وخطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعى، فى وقت تعانى فيه الدولة والمجتمع من ضغوط غير مسبوقة.
ناشطون يطالبون مصر بتسهيل دخول اللاجئين السودانيين
أرقام تكشف حجم الظاهرة
بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بلغ عدد اللاجئين وطالبى اللجوء المسجلين فى مصر حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2025 أكثر من 1,056,651 شخصا من 58 جنسية، مقارنة بنحو 160 ألفا فقط قبل سنوات قليلة.
ويتصدر السودانيون القائمة بعدد يقارب 792,760 لاجئا وطالب لجوء، يليهم السوريون بنحو 123,383 شخصا، فيما تتوزع بقية الأعداد على عشرات الجنسيات الأخرى.
العفو الدولية : اللاجئين السودانيين بمصر يعاملون بوحشية واعدادهم تتزايد يوميا
فى المقابل، تشير تقديرات رسمية وغير رسمية إلى أرقام أعلى بكثير؛ إذ تفيد المنظمة الدولية للهجرة بأن إجمالى عدد المهاجرين واللاجئين فى مصر قد يصل إلى نحو 9 ملايين شخص من 133 جنسية، من بينهم حوالى 4 ملايين سودانى و1.5 مليون سورى، أى ما يعادل قرابة 8.7% من سكان مصر.
الاقتصاد فى قلب الغضب الشعبى
يرتبط تصاعد الغضب الشعبى ارتباطا وثيقا بالأزمة الاقتصادية التى تمر بها مصر، والمتمثلة فى ارتفاع التضخم، وتراجع قيمة الجنيه، وانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين.
مدبولي يكشف عن تحرك الحكومة بشأن اللاجئين في مصر
ويحمل بعض المصريين اللاجئين مسؤولية تفاقم الأوضاع، خاصة فى ملفى الإيجارات والسلع الأساسية، حيث ارتفعت أسعار السكن بشكل ملحوظ فى المناطق ذات الكثافة العالية للاجئين.
ويشير مواطنون إلى أن ملاك العقارات يفضلون تأجير الشقق للاجئين بأسعار أعلى، مستغلين حاجتهم الماسة للسكن، ما أدى إلى إقصاء مستأجرين مصريين غير قادرين على مجاراة هذه الزيادات.
موقف الدولة: عبء يتجاوز الإمكانات
تؤكد الحكومة المصرية أن استضافة هذا العدد الكبير من اللاجئين يشكل عبئا اقتصاديا ثقيلا، مشيرة إلى إنفاق سنوى يقدر بنحو 10 مليارات دولار، رغم تشكيك خبراء فى دقة هذا الرقم.
احتجاز السوداني عثمان حسين يعقوب: تصعيد جديد ضد اللاجئين في مصر
وفى هذا السياق، تطالب القاهرة بدعم دولى أكبر، وأطلقت وزارة الخارجية فى يونيو/حزيران 2025، بالتعاون مع مفوضية اللاجئين، خطة الاستجابة للاجئين وتعزيز القدرة على الصمود، فى محاولة لتخفيف الضغط على البنية التحتية والخدمات العامة.
خطاب الكراهية والشائعات: وقود الاحتقان
لم يتوقف الغضب عند حدود الاقتصاد، بل تصاعد عبر خطاب كراهية متنام على منصات التواصل الاجتماعى، حمل اللاجئين مسؤولية تدهور الأوضاع، ودعا فى بعض الأحيان إلى ترحيلهم.
وحذرت منظمات حقوقية من خطورة هذا الخطاب، معتبرة أنه قد يفتح الباب أمام عنف مجتمعى، خاصة فى ظل انتشار شائعات غير موثقة، مثل اتهام اللاجئين بالمضاربة فى العملة، أو بالمساس بالأمن القومى، أو بارتكاب جرائم، دون أدلة رسمية.
حملات أمنية تثير الذعر والجدل
تزامن هذا المناخ المشحون مع حملات أمنية واسعة استهدفت لاجئين سودانيين فى القاهرة والإسكندرية ومحافظات أخرى، منذ أواخر يناير/كانون الثانى 2026.
من هى اليوتيوبر “بتول “التى تم طردها من مصر ..وما قصة الخريطة الغامضة ؟
وأفادت تقارير إعلامية وحقوقية بتوقيف سودانيين فى الشوارع ووسائل النقل ونقاط التفتيش، بمن فيهم أشخاص يحملون إقامات قانونية أو بطاقات لجوء صادرة عن مفوضية الأمم المتحدة، ما أدى إلى حالة من الخوف الشديد داخل الجالية السودانية، ودفع كثيرين إلى تقليل تحركاتهم أو البقاء فى منازلهم.
رسالة من داخل الجالية السودانية: الوعى لا الصدام
فى خضم الأزمة، برزت رسائل من داخل الجالية السودانية تدعو إلى التهدئة وفهم الواقع القانونى، مؤكدة أن تسجيل اللاجئ لدى مفوضية اللاجئين يعنى خضوعه للحماية الدولية، وليس لحماية سفارة بلده، وأن بطاقة اللجوء لا تشكل حصانة مطلقة فى ظل ظروف أمنية مشددة.
ودعت هذه الرسائل إلى تجنب التصعيد الإعلامى أو الإساءة للدولة المصرية، معتبرة أن ذلك يفاقم الاحتقان الشعبى ولا يخدم أوضاع اللاجئين، مؤكدة أن الحل يكمن فى الالتزام بالقانون، والوعى، وتقليل الاحتكاك، وتجنب الشائعات.
يقف ملف اللاجئين فى مصر عند تقاطع حساس بين أزمة اقتصادية خانقة، وضغوط أمنية، وخطاب شعبى غاضب. وبينما تتحمل الدولة أعباء ثقيلة، يجد اللاجئون أنفسهم فى موقع هش، محاصرين بين الخوف والاحتياج وسوء الفهم المتبادل.
وفى غياب خطاب رسمى واضح وشامل، يبقى الوعى المجتمعى، وضبط الخطاب الإعلامى، والدعم الدولى الحقيقى، عوامل حاسمة لتجنب انزلاق الوضع نحو مزيد من التوتر والانقسام.










