المنشر الاخباري، 3 فبراير 2026 ، في حلقة جديدة من محاولات التشكيك في مؤسسات الدولة المصرية، أصدر ما يُعرف بمركز «حريات للدراسات السياسية والاستراتيجية» – الذي يتخذ من إسطنبول مقرًا له ويرأسه القيادي الإخواني السابق طارق الزمر – دراسة حملت عنوان: «تدخل الأكاديمية العسكرية في التعيينات بمصر».
وتأتي هذه الدراسة في توقيت لافت، يتزامن مع تصاعد نشاط منصات إعلامية موالية لجماعة الإخوان المسلمين، تسعى إلى إعادة إنتاج خطاب «العسكرة» وإثارة الشكوك حول نزاهة مؤسسات الإدارة العامة، في محاولة لإرباك المشهد الداخلي وبث حالة من البلبلة وفقدان الثقة.
تفنيد مزاعم الدراسة: خلط متعمد للأوراق وتزييف للحقائق
تعتمد الدراسة على أطروحات تقوم على الخلط بين مفاهيم مختلفة، وتسعى إلى تصوير برامج التأهيل الإداري كأنها «استيلاء عسكري» على مفاصل الدولة، وهو طرح يفتقر إلى الدقة والسياق. ويمكن تفنيد أبرز هذه المزاعم على النحو التالي:
الانضباط المؤسسي ليس عسكرة
تزعم الدراسة أن دور الأكاديمية العسكرية تطور ليصبح أداة لـ«ضبط مسارات النخبة». غير أن الواقع يشير إلى أن الدولة المصرية، في إطار رؤية «الجمهورية الجديدة»، اتجهت إلى رفع كفاءة الجهاز الإداري عبر برامج تدريب وتأهيل تنفذها مؤسسات وطنية، من بينها الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، إلى جانب الأكاديمية الوطنية للتدريب.
وتهدف هذه البرامج إلى ترسيخ قيم الانضباط، والالتزام الوظيفي، والوعي بقضايا الأمن القومي، وهي معايير إدارية معمول بها في العديد من دول العالم، ولا تعني بأي حال تحويل الموظفين المدنيين إلى كوادر عسكرية، كما تحاول الدراسة الإيحاء.
ثانيًا: الكفاءة لا الولاء هي معيار التعيين
تروج الدراسة لفكرة تقديم «الولاء» على «الكفاءة»، في حين تؤكد الوقائع أن اختبارات التعيين في الوظائف العامة – سواء للمعلمين أو المهندسين أو الأطباء – تظل اختبارات فنية وتخصصية تشرف عليها الجهات المختصة، مثل الوزارات المعنية والجهاز المركزي للتنظيم والإدارة.
ويقتصر دور المؤسسات العسكرية على التقييم البدني والنفسي والسلوكي، بهدف التأكد من قدرة المتقدمين على العمل تحت الضغط وتحمل المسؤولية، وهو إجراء تنظيمي لا يمس جوهر التخصص أو الاستحقاق الوظيفي.
أبعاد الاستهداف: لماذا المؤسسة العسكرية؟
يرى مراقبون أن تركيز الدراسة، ومن خلفها الخطاب الإخواني، على دور الأكاديمية العسكرية لا ينفصل عن أهداف سياسية أوسع، من بينها:
محاولة عزل القوات المسلحة عن حاضنتها الشعبية، عبر تصويرها كمنافس للمدنيين على فرص العمل، متجاهلين أن الوظائف المستحدثة تظل مدنية ويشغلها مواطنون مدنيون.
إثارة القلق داخل الجهاز الإداري للدولة، من خلال الإيحاء بتآكل «الشرعية الوظيفية» لصالح معايير أمنية، بما يهدد الاستقرار المؤسسي.
ضرب الثقة في مشروع الجمهورية الجديدة، عبر تصوير الإصلاح الإداري والهيكلي كعملية «إعادة هندسة للولاءات»، وليس كخطوة لتطوير الأداء ورفع الكفاءة.
عودة لخطاب تفكيك الدولة
إن توصيف الدراسة للتحولات الإدارية في مصر باعتبارها «إعادة تشكيل للدولة لضمان السيطرة» يعكس استمرار النهج ذاته الذي تبنته جماعة الإخوان ومنصاتها الإعلامية لسنوات، والقائم على التشكيك في أي مشروع وطني للإصلاح والتطوير.
ففي الوقت الذي ينظر فيه المجتمع الدولي إلى التجربة المصرية بوصفها نموذجًا لاستعادة هيبة الدولة وبناء جهاز إداري منضبط وفعّال، تصر بعض المراكز الممولة على قراءتها من زاوية تآمرية تخدم أجندات هدم المؤسسات لا تطويرها.
وتبقى الحقيقة أن الأكاديمية العسكرية المصرية، بتاريخها الممتد وخبرتها المتراكمة، تمثل اليوم بيت خبرة وطنيًا يسهم في إعداد كوادر قادرة على مواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، بعيدًا عن صراعات «الولاء والنخبة» المصطنعة التي تحاول هذه الدراسات الترويج لها.











