برلين – المنشر الإخبارى 3 فبراير 2026 تعيش ليبيا على وقع حالة غير مسبوقة من الجدل والترقب، عقب مقتل سيف الإسلام معمر القذافي في ظروف غامضة بمدينة الزنتان غرب البلاد، وسط غياب أي تأكيد رسمي من الجهات السيادية، ما فتح الباب أمام سيل من التكهنات السياسية والأمنية في مشهد ليبي بالغ التعقيد.
روايات متناقضة منذ الساعات الأولى
بدأت القصة مع تقارير إعلامية محلية تحدثت عن تعرض سيف الإسلام لإطلاق نار خلال اشتباكات مسلحة قرب منطقة الحمادة جنوب الزنتان. وسرعان ما نقلت وسائل إعلام عن عبد الله عثمان، ممثل سيف الإسلام القذافي في الحوار السياسي الليبي، تأكيده خبر الوفاة، دون تقديم تفاصيل دقيقة حول مكان الحادث أو الجهة المنفذة.
لاحقًا، جرى تداول نعي منسوب إلى رئيس الفريق السياسي الممثل لسيف الإسلام، ما عزز انتشار الرواية، قبل أن تظهر روايات مضادة تشكك في صحة الخبر، وتتحدث عن نجاته من محاولة اغتيال، أو عن عدم وقوع الحادث من الأساس.
نفي عسكري رسمي يزيد الغموض
في خضم هذه الأنباء، أصدر اللواء 444 قتال بيانًا رسميًا نفى فيه بشكل قاطع أي علاقة له بمقتل سيف الإسلام القذافي، مؤكدًا أن ما يتم تداوله «عارٍ تمامًا عن الصحة»، وأنه لم يشارك في أي عملية أمنية تستهدفه.
غير أن هذا النفي، بدلًا من أن يحسم الجدل، زاد من حالة الغموض، خاصة في ظل غياب بيان واضح من وزارة الداخلية أو النيابة العامة أو أي جهة أمنية مركزية يؤكد أو ينفي وقوع حادث اغتيال من الأساس.
خلفية شخصية سياسية شائكة
ويُعد سيف الإسلام القذافي من أكثر الشخصيات الليبية إثارة للجدل منذ سقوط نظام والده عام 2011. فقد صدر بحقه حكم بالإعدام غيابيًا عام 2015 بتهم تتعلق بجرائم حرب، بينما ظل مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية.
في عام 2017، أُعلن الإفراج عنه من احتجازه في الزنتان، حيث بقي لفترة طويلة تحت حماية قوى محلية وقبلية. وخلال السنوات اللاحقة، حاول إعادة تقديم نفسه سياسيًا، خاصة مع ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021، في خطوة أعادت اسمه بقوة إلى الواجهة، رغم رفض ترشحه رسميًا.
ومنذ ذلك الحين، ظل حضوره السياسي محدودًا وغامضًا، مع تقارير متكررة عن تحركات سياسية غير معلنة واتصالات قبلية، ما جعل اسمه حاضرًا دائمًا في معادلة التوازنات الليبية.
تداعيات سياسية وأمنية محتملة
يأتي هذا الجدل في وقت تشهد فيه ليبيا انسدادًا سياسيًا حادًا، بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وقوات الجيش الوطني في الشرق بقيادة خليفة حفتر، وسط تعثر المسار الانتخابي واستمرار الصراع على الشرعية.
ويرى مراقبون أن تأكيد مقتل سيف الإسلام – إن ثبت رسميًا – قد يؤدي إلى:
• إنهاء أي آمال لدى أنصاره في عودته كرمز سياسي محتمل.
• إعادة توزيع النفوذ داخل المعسكرات القبلية، خاصة في الغرب والجنوب.
• فتح الباب أمام تصعيد قبلي في الزنتان ومحيطها، إذا ما ارتبطت الحادثة باتهامات متبادلة.
في المقابل، فإن استمرار الغموض دون حسم قد يكون أكثر خطورة، إذ يترك المجال مفتوحًا أمام الشائعات، والتوظيف السياسي، وتصفية الحسابات تحت غطاء الأخبار غير المؤكدة.
موقف دولي حذر
دوليًا، تابعت بعثات أممية التطورات بحذر، وسط دعوات غير رسمية إلى تحقيق مستقل وشفاف في حال ثبوت وقوع حادث اغتيال. كما تراقب المحكمة الجنائية الدولية الوضع عن كثب، دون إصدار تعليق فوري، في انتظار معلومات موثوقة.
بين الحقيقة والتوظيف السياسي
في المحصلة، يبقى مصير سيف الإسلام القذافي معلقًا بين التأكيد والنفي، في بلد اعتاد أن تكون فيه الحقيقة أولى ضحايا الصراع. وبينما ينتظر الشارع الليبي بيانًا رسميًا يحسم الجدل، تتزايد المخاوف من أن يكون تداول الخبر – سواء ثبت أو نُفي – جزءًا من صراع سياسي وأمني أوسع يعكس عمق الأزمة الليبية المستمرة منذ أكثر من عقد.
حتى ذلك الحين، يظل السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام حادثة اغتيال غامضة، أم فصلاً جديدًا من فصول الفوضى في ليبيا؟










