قُتل سيف الإسلام القذافي، أبرز أبناء الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، بحسب مصادر مقرّبة من العائلة ومحاميه ووسائل إعلام محلية، وسط غموض كثيف يلف مكان وتوقيت وكيفية مقتله والجهة التي تقف وراء الحادث.
وأعاد الإعلان عن مقتله إلى الواجهة ملف الرجل الذي ظلّ حاضرًا في معادلات ليبيا السياسية رغم تراجع ظهوره العلني، بوصفه الوريث الأبرز لمشروع حكم عائلة القذافي وواجهة محتملة لتيار «الجماهيريين» الساعي للعودة.
من وريث مفترض إلى متهم دولي
برز سيف الإسلام قبل 2011 كواجهة «الإصلاح» في نظام والده، وكمهندس لبعض ملفات السياسة والاقتصاد والعلاقة مع الغرب، ما منحه وزنًا خاصًا داخل الدولة الليبية السابقة.
لكن سقوط نظام القذافي في أكتوبر 2011 غيّر مسار الرجل؛ فقد اعتقلته مجموعة مسلّحة في الزنتان خلال محاولته الفرار، قبل أن يُنقل ملفه بين مطالبات داخلية وخارجية لمحاكمته.
في عام 2015 أصدر أحد المحاكم في طرابلس حكمًا بالإعدام على سيف الإسلام غيابيًا، بتهم تتعلق بقمع الاحتجاجات إبان ثورة فبراير 2011، في محاكمة اعتبرتها منظمات حقوقية دولية غير مستوفية لمعايير العدالة.
وفي الوقت نفسه ظلّ مطلوبًا للمحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية متصلة بأحداث تلك الفترة، وهو ملف ظل عالقًا دون تنفيذ فعلي بسبب الانقسام الليبي وتعقيدات السيادة القضائية.
عودة سياسية مربِكة ثم غياب
بعد سنوات من الاحتجاز في الزنتان، تحدّثت تقارير عن الإفراج عن سيف الإسلام في 2017 في إطار قانون عفو عام أصدره برلمان طبرق، ما فتح الباب أمام سيناريوهات عودته إلى المشهد.
وفي 2021 أعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية الليبية التي تعثرت ولم تُستكمل، ما أثار حفيظة أطراف عديدة رأت في عودته تهديدًا لتوازنات ما بعد 2011.
منذ ذلك الحين تراجع ظهور سيف الإسلام الإعلامي، لكن اسمه ظل حاضرًا كخيار محتمل يلتف حوله أنصار النظام السابق وبعض القبائل الباحثة عن «مرشح توافقي» يملك رمزية ووزنًا اجتماعيًا.
هذا الحضور الرمزي جعل الرجل عنصر إزعاج لعدد من القوى السياسية والعسكرية الداخلية، وكذلك لبعض الأطراف الخارجية التي استثمرت في ليبيا ما بعد القذافي ولا ترغب في عودة رموز النظام القديم إلى الواجهة.
إعلان القتل وسط غياب الروايةالمعلومات المتاحة تشير إلى أن مصادر مرتبطة بالعائلة ومحامي سيف الإسلام، خالد الزايدي، ووسائل إعلام ليبية، أكدت مقتله اليوم دون تقديم تفاصيل دقيقة عن مكان الحادث أو طبيعته أو الجهة المسؤولة عنه.
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا توجد بيانات رسمية مفصّلة من السلطات الليبية أو صور موثّقة أو اعتراف من طرف بعينه بتنفيذ عملية اغتيال، ما يفتح الباب واسعًا أمام التأويلات والفرضيات.
هذا الغموض ينعكس على الشارع الليبي المنقسم أصلاً؛ إذ يتعامل أنصار النظام السابق مع الخبر كاستهداف متعمد لرمز سياسي، بينما تتجنب أطراف أخرى التعليق بانتظار ما ستكشفه الساعات أو الأيام المقبلة من تفاصيل.
ويُشبه هذا الالتباس حالة كثير من الاغتيالات السياسية في بلدان تعيش تعدد الميليشيات وتداخل الأجهزة الأمنية مع الصراع السياسي، حيث تتأخر الرواية الرسمية بينما تسابق الإشاعات والاتهامات الزمن.
من المتضرر ومن المستفيد؟
لا توجد حتى الآن معطيات تحقيق رسمية تسمح بالجزم بطبيعة العملية أو توصيفها كـ«اغتيال سياسي» بالمعنى القانوني، لكن قراءة خريطة الأطراف المتضررة والمستفيدة تكشف حساسية الحدث.
فمن جهة، يخسر أنصار النظام السابق الشخصية الأكثر رمزية وقدرة على توحيد جزء من قواعدهم، خاصة أن الإخوة الآخرين الذين قُتلوا خلال حرب 2011 أو تشتتوا في المنافي لا يملكون الوزن السياسي نفسه.
ومن جهة أخرى، قد ترى قوى سياسية وعسكرية راهنة أن اختفاء سيف الإسلام من المشهد يخفف من احتمالات عودة «مشروع القذافي» عبر صناديق الاقتراع أو صفقات التسوية.
أما دوليًا، فقد يعني موته عمليًا طيّ صفحة ملاحقته أمام المحكمة الجنائية الدولية، ما يرفع ملفًا شائكًا من جدول العلاقات بين ليبيا والمجتمع الدولي، وإن كان ذلك يغلق أيضًا باب محاسبته قضائيًا لصالح نهاية غامضة بلا محاكمة.
أسئلة مفتوحة أمام ليبيارحيل سيف الإسلام، إن تأكدت كل تفاصيله رسميًا، لا ينهي فقط حضور شخصية مثيرة للجدل، بل يعيد طرح سؤال العدالة الانتقالية والمصالحة في بلد لا تزال جراح حرب 2011 مفتوحة.
فغياب الرجل عن أي مسار قضائي أو سياسي منظم يعني أن كثيرًا من الحقائق المرتبطة بقرارات النظام السابق خلال سنوات الثورة قد ترحل معه، تاركة فراغًا في رواية التاريخ القريب لليبيا.
كما يطرح مقتله المحتمل تساؤلات حول قدرة الدولة الليبية المنقسمة على حماية شخصيات ذات حساسية سياسية وقضائية، سواء كانت من النظام السابق أو من خصومه، في ظل استمرار انتشار السلاح وتعدد مراكز القوة المسلحة.
وفي كل الأحوال، ستظل تفاصيل الساعات الأخيرة في حياة سيف الإسلام القذافي، ومن خطط لقتله إن ثبت أنه اغتيل، سؤالاً مفتوحًا حتى تظهر رواية موثقة، سواء عبر تحقيق رسمي أو تسريبات أو شهادات لاحقة قد تعيد رسم المشهد من جديد.











