اغتيال سيف الإسلام القذافي ما زال ملفًا غامضا لكن المؤكد أن الساعات الأخيرة شهدت تطورًا دراماتيكيًا في مسار الرجل الذي كان يُقدَّم يومًا كوريث سياسى لوالده معمر القذافي، قبل أن ينتهى به الأمر قتيلًا في ظروف توصف حتى الآن بـالغامضة.
ملابسات الاغتيال:
روايات متضاربةخلال الساعات الماضية، تحدثت وسائل إعلام ليبية وعربية عن مقتل سيف الإسلام القذافي في اشتباكات مسلحة بمنطقة الحمّادة جنوب غرب ليبيا، قرب الزنتان، وهي المنطقة التي ارتبط اسمه بها منذ سقوط نظام والده.
بعض المصادر المحلية أشارت إلى أن الاشتباك وقع مع قوة تتبع اللواء 444 قتال، دون توضيح السياق الكامل للعملية أو ما إذا كانت مداهمة مخططة أم مواجهة عابرة.
تقارير أخرى نقلتها قنوات عربية أفادت بأن أربعة مسلحين تسلقوا سور مقر إقامة سيف الإسلام، عطّلوا كاميرات المراقبة، قبل أن يشتبكوا معه ويردوه قتيلًا في ساعة مبكرة من الفجر، في سيناريو أقرب إلى عملية اغتيال مدروسة منه إلى اشتباك عشوائي.
في المقابل، برزت روايات إعلامية موالية لنظام القذافي السابق حاولت، في الساعات الأولى، التشكيك في الخبر والتأكيد على نجاته من محاولة اغتيال، قبل أن يتحول هذا التشكيك تدريجيًا إلى صمت، مع توالي بيانات النعي الصادرة عن شخصيات محسوبة على التيار القذافي.
هذا التضارب في السرديات عزز الانطباع بأن ما جرى لم يكن حدثًا عاديًا في ساحة ليبية اعتادت على السلاح، بل محطة ذات أبعاد سياسية تتجاوز حدود حادثة جنائية تقليدية.
تأكيدات من الدائرة القريبة ورسائل النعي
مصادر مقربة من سيف الإسلام القذافي، تحدثت إليها قنوات إخبارية عربية، أكدت مقتله في «ظروف غامضة» دون تقديم تفاصيل شاملة عن هوية المنفذين أو الجهة التي تقف وراءهم.
المستشار السياسي لسيف الإسلام، عبد الله عثمان، نشر تدوينة مقتضبة أعلن فيها مقتل موكله، من دون الإفصاح عن خلفيات الحادث، مكتفيًا بعبارات تحمل طابعًا سياسيًا وإيحائيًا عن «إسكات صوت الحق».
الفريق السياسي المحسوب على نجل القذافي نعاه رسميًا، في خطوة أنهت عمليًا حالة الانتظار التي رافقت الساعات الأولى لتداول خبر مقتله على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام.
في المقابل، غابت حتى لحظة كتابة هذا التقرير رواية رسمية مفصلة من السلطات الليبية في الغرب أو الشرق، إذ اكتفى مسؤولون أمنيون محليون بالتأكيد أن التحقيقات جارية، وأن المعلومات لن تُعلن قبل استكمال الإجراءات الميدانية والقانونية.
هذا الفراغ في البيان الرسمي ترك المجال مفتوحًا أمام موجة من التأويلات، وفسح المجال للإعلام والشارع معًا لملء الفراغ بالتحليلات، في بلد لم يعرف إلى اليوم مؤسسات مستقرة قادرة على إنتاج خطاب موحد حول القضايا الكبرى.
خلفية الرجل: من وريث محتمل إلى مطارد دولي
سيف الإسلام القذافي كان يُقدَّم قبل 2011 بوصفه الواجهة الإصلاحية للنظام، والرجل الذي يمكن أن يقود عملية انتقال ناعمة داخل بنية الحكم في ليبيا
بعد سقوط نظام والده، اعتقل في جنوب ليبيا، وظل لسنوات بين قبضة جماعات مسلحة وبين المطالبة الدولية بتسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية خلال أحداث 2011.
ورغم صدور حكم غيابي بإعدامه من محكمة في طرابلس، ظل الرجل حاضرًا في المشهد السياسي من خلال مناصريه، إلى أن عاد بقوة إلى الواجهة عام 2021 بتقديم أوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية التي لم تُستكمل.
هذه الخلفية جعلت من سيف الإسلام شخصية جدلية؛ بين من يراه رمزًا لحقبة سابقة يجب تجاوزها، وبين من يعتبره «الضامن» الوحيد لعودة الدولة المركزية وإنهاء حالة التشظي.
اغتياله، وفق الرواية المتداولة، يأتي في توقيت تعيش فيه البلاد انسدادًا سياسيًا حادًا، وتعثرًا في مسار الانتخابات، وانقسامًا مؤسسيًا بين حكومتين وبرلمانين وقوى عسكرية متناحرة، ما يضاعف من حساسية غياب شخصية تمتلك قاعدة قبلية وسياسية لا يمكن تجاهلها.
من المستفيد من الغياب المفاجئ؟
مع محدودية المعلومات الرسمية حول ملابسات الاغتيال، تُطرح أسئلة حادة في الشارع الليبي حول الجهة التي استفادت من إزاحة سيف الإسلام من المشهد
بعض القراءات تشير إلى أن خصومه السياسيين، الذين اعتبروا ترشحه للرئاسة تهديدًا مباشرًا لمشاريعهم، قد يجدون في مقتله إنهاءً لاحتمال عودته كلاعب أساسي في أي تسوية قادمة.
قراءات أخرى تذهب إلى أن جماعات مسلحة متشددة، تنشط في مناطق صحراوية مثل الحمّادة، قد تكون ضالعة في العملية، إما بدافع أيديولوجي أو ضمن صفقات أوسع تتقاطع فيها الحسابات المحلية والإقليمية.
في كل الأحوال، يضع مقتل سيف الإسلام ليبيا أمام فصل جديد من الغموض، إذ يُخشى من أن يتحول الحادث إلى نقطة توتر إضافية بين القوى المتصارعة، سواء عبر عمليات ثأرية أو استثمار سياسي في خطاب تعبوي يستند إلى «دم نجل القذافي».
مثال ذلك، أن بعض الصفحات المحسوبة على أنصار النظام السابق بدأت بالفعل في استخدام لغة تعبئة تتحدث عن «استهداف رموز الشعب» و«تصفية المشروع الوطني»، بما يشي بإمكانية توظيف الحادث في معركة نفوذ جديدة.
مستقبل المشهد الليبي بعد اغتيال سيف الإسلام
رحيل سيف الإسلام القذافي، إذا ما تأكدت كل تفاصيله في التقارير الرسمية النهائية، يعني غياب أحد أبرز الأسماء التي كانت تُطرح في كل حديث عن تسوية سياسية شاملة في ليبيا.
هذا الغياب قد يدفع جزءًا من القاعدة القبلية والسياسية التي كانت تراهن عليه إلى البحث عن بديل داخل نفس التيار أو إلى التشدد في مواقفها تجاه الأطراف المتنافسة الأخرى، ما يزيد تعقيد المشهد.
في المقابل، قد ترى أطراف دولية وإقليمية أن إزالة شخصية مثيرة للجدل من المعادلة يفتح الباب أمام إعادة هندسة المشهد بعيدًا عن إرث القذافي، لكن من دون ضمانات بأن ذلك سيقود إلى استقرار فعلي على الأرض.
إلى أن تتضح الصورة بالكامل، يبقى اغتيال سيف الإسلام القذافي عنوانًا جديدًا لأزمة ليبية لم تهدأ منذ أكثر من عقد، ومرآة لصراع طويل على السلطة والسلاح والنفوذ، يدفع ثمنه مواطن يبحث عن دولة مستقرة أكثر من بحثه عن اسم آخر يحمل لقب القذافي.









