المنشر الاخباري- أبوظبي | 4 فبراير 2026 في تحول جيلّي بارز يعيد رسم خارطة النفوذ المالي والسياسي في المنطقة، كشفت تقارير “بلومبيرغ” عن تعاظم دور الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، كلاعب محوري في إدارة ثروات الإمارة وتوجيه استثماراتها السيادية نحو أسواق وول ستريت والذكاء الاصطناعي.
خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط العام الماضي، تناول الإفطار مع الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي.
كان ترتمب يسعى حينها إلى استقطاب مليارات الدولارات من الاستثمارات، ويبدو أن الأمير الإماراتي بات اليوم في موقع متقدم يمكّنه من لعب دور محوري في تحقيق هذا الهدف.
وقال الشيخ خالد للرئيس الأمريكي آنذاك: «لسنا بحجم الولايات المتحدة يا سيادة الرئيس، لكننا نضرب فوق وزننا»، في تعليق لخص طموحات الإمارة المتنامية، كما عكس في الوقت نفسه اتساع نفوذ ولي عهد أبوظبي، الذي شهد دورُه توسعًا ملحوظًا في الفترة الأخيرة.
صندوق سيادي جديد ونفوذ متصاعد
أصبح الشيخ خالد مشرفًا على أحدث صندوق ثروة سيادي في الإمارة، جرى إنشاؤه عبر دمج المستثمر السيادي «أبوظبي كيو» (ADQ)، الذي يدير أصولًا بقيمة 263 مليار دولار، في كيان جديد يحمل اسم شركة لعماد القابضة. ويرجّح أن تتحول «لعماد» إلى نقطة الاتصال الرئيسية للمستثمرين الدوليين، مع احتمالية توجيه جزء أكبر من فوائض عائدات النفط إليها خلال السنوات المقبلة، وفقًا لأشخاص مطلعين على الملف.
وتنعكس طموحات الصندوق الجديد أيضًا في فريق إدارته، إذ يتولى جاسم الزعابي منصب الرئيس التنفيذي، وهو شخصية توصف بأنها من بين الأكثر نفوذًا في الدولة خارج الإطار الملكي. ويعني اسم «لعماد» بالعربية “الدعامة” أو “الركيزة”، في إشارة رمزية إلى الدور المتوقع للكيان الجديد.
إعادة تشكيل المشهد السيادي
كانت ADQ سابقًا تحت إشراف الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، عمّ ولي العهد، الذي يشرف كذلك على جهاز أبوظبي للاستثمار البالغة أصوله نحو تريليون دولار، إضافة إلى أبرز شركات الذكاء الاصطناعي وأكبر البنوك في الإمارة.
ولم يأتِ البيان المقتضب الذي أعلن إعادة هيكلة منظومة الصناديق السيادية في أبوظبي – التي تُقدَّر قيمتها الإجمالية بنحو تريليوني دولار – على ذكر الشيخ طحنون، الذي يشغل أيضًا منصب مستشار الأمن القومي للإمارات، وكان قد لعب دورًا في التفاوض على تعهد استثماري بقيمة 1.4 تريليون دولار مع ترمب.
ويقول مطلعون إن هذه التغييرات تعكس تطور هياكل السلطة في أبوظبي، وهي الهياكل التي بات المصرفيون والمستثمرون العالميون يعتمدون عليها بشكل متزايد لتمويل الصفقات الكبرى. وتشير هذه التحولات إلى أن الأضواء ستتجه أكثر نحو الزعابي وولي العهد البالغ من العمر 44 عامًا.
ولم تصدر وزارة الخارجية الإماراتية تعليقًا على هذه التطورات.
تحوّل جيلّي في مراكز القوة
يرى أندرياس كريغ، المحاضر في شؤون أمن الشرق الأوسط بكلية كينغز في لندن، أن ولي عهد أبوظبي يستحوذ بالفعل على ملفات حيوية في الأمن الوطني والأمن السيبراني، لكنه بات اليوم يرسّخ نفوذه أيضًا في المجال الجيو-اقتصادي، الذي يُعد العمود الفقري لقوة أبوظبي.
ويضيف كريغ أن ما يجري يمثل تحولًا جيلّيًا يتجاوز أبناء مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ومن بينهم الشيخ محمد بن زايد، والشيخ طحنون، والشيخ منصور بن زايد، رئيس شركة مبادلة للاستثمار. ويرى أن هذه التحولات تعني أن كبرى المؤسسات المالية العالمية ستتعامل مع هيكل سلطة أكثر تعقيدًا في الإمارة.
وبحسب أحد المطلعين، فإن الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك» لاري فينك، خلال زياراته إلى أبوظبي، يسعى أولًا للقاء الشيخ محمد بن زايد، ثم الشيخ طحنون، ثم الشيخ خالد.
رجال المال والصفقات الكبرى
عُيّن الشيخ خالد وليًا للعهد في عام 2023، وفي التوقيت نفسه قام حاكم أبوظبي بترقية إخوته وتوسيع مسؤولياتهم الاستثمارية، ضمن توزيع مدروس للسلطة. ونتيجة لذلك، برز الشيخ طحنون كلاعب رئيسي في الشؤون الاقتصادية، بينما ركّز الشيخ خالد في البداية على الملفات السياسية والاجتماعية.
أما اليوم، فقد بات ولي العهد يشرف على بعض أهم الشركات والكيانات الاستثمارية في الإمارة من خلال رئاسته لـ«لعماد»، الذي أظهر بالفعل طموحات عالمية. فقد انضم الصندوق، في نهاية العام الماضي، إلى صناديق ثروة خليجية وصهر ترمب جاريد كوشنر، في دعم عرض استحواذ عدائي على شركة «باراماونت – سكاي دانس – وارنر برذرز».
ويؤدي الشيخ خالد، بصفته رئيس دائرة المالية في أبوظبي، دورًا محوريًا في تنسيق عمل الكيانات السيادية وتحديد وجهة تخصيص عائدات النفط. ويعزز هذا الدور نفوذ جاسم الزعابي، الذي يشغل كذلك منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للشؤون المالية والاقتصادية، وعضوية المجلس التنفيذي للإمارة، ويُعرف بقربه من كل من الشيخ محمد والشيخ طحنون.
كما يضم مجلس إدارة «لعماد» خلدون المبارك، الرئيس التنفيذي لشركة مبادلة، المعروف بنفوذه العالمي. وعلى الرغم من أن الزعابي يتمتع بحضور أكثر هدوءًا مقارنة بالمبارك، إلا أن المصرفيين ومديري الأصول يرونه لاعبًا لا يقل أهمية في رسم ملامح صفقات أبوظبي المقبلة.
على أبواب وول ستريت
بدأت مناقشات تأسيس «لعماد» قبل الإعلان الرسمي عنه، بمشاركة مسؤولين من دائرة المالية في أبوظبي. ولا يزال الصندوق في طور البناء، ويعمل حتى الآن دون موقع إلكتروني، رغم تصدره عناوين الصحف عقب مشاركته في صفقة «باراماونت».
وسينضم الكيان الجديد إلى منظومة الشركات المدعومة من الدولة في أبوظبي، والتي تُعد من بين أكثر المستثمرين نشاطًا عالميًا، عبر قطاعات تمتد من الخدمات المالية إلى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يثير إنشاء صندوق إضافي تساؤلات حول الحاجة إلى هذا العدد من “الجيوب” الاستثمارية الحكومية.
ويصف مصرفيون ومديرون تنفيذيون الشيخ خالد بأنه لاعب جديد نسبيًا في عالم الصفقات، ولا تزال الرؤى حول أسلوبه الاستثماري في طور التشكّل. إلا أن الجهود تكثفت في الأشهر الأخيرة لبناء علاقات مباشرة معه، في ظل إبراز الحسابات الرسمية لأبوظبي لقاءاته مع كبار التنفيذيين، من شركات التكنولوجيا العالمية إلى قادة دول.
حضور دولي متنامٍ
تزامن ذلك مع رفع تدريجي لمكانة ولي العهد على الساحة الدولية؛ إذ رافق الرئيس ترمب في زيارة إلى أحد مساجد أبوظبي، وحضر جنازة البابا فرنسيس في روما، كما شارك في اجتماعات رفيعة المستوى مع جاريد كوشنر وممثلين عن محادثات أوكرانيا التي استضافتها أبوظبي.
ويعزز دوره الجديد في «لعماد» مكانته في عالم الأعمال العالمي، في استراتيجية تبدو منسجمة مع رؤية الإمارات لنفسها بوصفها “شركة كبرى” تُدار بمنطق النفوذ الاقتصادي والاستثماري طويل الأمد.










