خطة ماتي الإيطالية لإثيوبيا بين التنمية الاقتصادية والنفوذ السياسي: استثمارات ضخمة ومشاريع استراتيجية، لكن هل ستعود بالفائدة الحقيقية على إثيوبيا أم تتحول إلى أداة نفوذ لإيطاليا؟
برلين – فبراير 2026 – المنشر الإخبارى
في تصريحات رسمية حصرية، أكد السفير الإيطالي لدى إثيوبيا، سيم فابريزي، أن إثيوبيا تدخل مرحلة حاسمة من نموها الاقتصادي والتحول التنموي، وأن إيطاليا مستعدة لدعم الحكومة الإثيوبية والمساهمة عبر شركاتها في مشاريع بنية تحتية استراتيجية، من بينها سد النهضة الإثيوبي الكبير (GERD) والمطار الدولي في بيشوفتو.
وفي مقابلته مع وكالة الأنباء الإثيوبية “Ena”، وصف فابريزي خطة ماتي بأنها “إطار استراتيجي بعيد النظر” لتعميق التعاون الثنائي بين روما وأديس أبابا، مؤكدًا حرص إيطاليا على أن تظل شريكًا موثوقًا في دعم التنمية الاقتصادية، والمساهمة في المشاريع الكبرى التي تعزز البنية التحتية، الطاقة، والمواصلات الأساسية في إثيوبيا.
أهداف خطة ماتي والقطاعات المستهدفة
بحسب تصريحات السفير الإيطالي، تهدف خطة ماتي إلى:
• دعم مشاريع البنية التحتية الكبرى، مثل سد النهضة الإثيوبي والمطار الدولي في بيشوفتو.
• تعزيز التعليم وتطوير المهارات العلمية والتقنية.
• توسيع البحث العلمي والتبادل الثقافي بين إيطاليا وإثيوبيا.
• دعم القطاع الخاص وتشجيع الشركات الإيطالية على الاستثمار في إثيوبيا.
• توفير الخبرة الفنية والإدارية لضمان استدامة هذه المشاريع.
إلا أن خبراء اقتصاديين وسياسيين يرون أن خطة ماتي لا تقتصر على الدعم التنموي، بل تُعد أداة استراتيجية لإيطاليا لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي في إثيوبيا ومنطقة القرن الإفريقي. ويشير هؤلاء إلى أن المشاريع الكبرى، خاصة تلك المرتبطة بالطاقة والمواصلات، تمنح إيطاليا القدرة على التحكم في قطاعات حيوية وفرض تأثير سياسي على الحكومة الإثيوبية.
من يقف وراء خطة ماتي؟
تقف الحكومة الإيطالية مباشرة وراء خطة ماتي، بالتنسيق بين وزارة الخارجية ووزارة الاقتصاد الإيطالية، وتنفذ بعض المشاريع الكبرى شركات إيطالية رائدة مثل Salini Impregilo، المنفذة لسد النهضة. وأوضح فابريزي أن إيطاليا تعتزم تخصيص 250 مليون يورو خلال السنوات الثلاث المقبلة لدعم مشاريع استراتيجية في إثيوبيا، مع التركيز على البنية التحتية الحيوية.
ورغم التصريحات الرسمية حول الشراكة الإنمائية، يرى بعض المراقبين أن الخطة تعكس رغبة إيطاليا في توسيع نفوذها الاقتصادي في منطقة استراتيجية، بينما تتجاهل الحكومة الإيطالية المخاطر التي قد تواجهها إثيوبيا داخليًا، بما في ذلك النزاعات الإقليمية، الفساد الإداري، وضعف قدرة البنية التحتية على استيعاب مشاريع ضخمة.
الدعم الدولي والسياسة الخارجية الإيطالية
أكد السفير فابريزي على التزام إيطاليا بدعم إثيوبيا في المنتديات الدولية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، واعتبر أن الشراكة الثنائية توفر لإيطاليا أداة دبلوماسية لتعزيز دورها في المنطقة. وأوضح أن التعاون يشمل قطاعات أساسية مثل التعليم، تطوير المهارات، البحث العلمي، والتبادل الثقافي، وهي مجالات يُنظر إليها على أنها أساسية لدعم الاستقرار الإقليمي وتحقيق التنمية المستدامة.
ومع ذلك، يطرح بعض المحللين تساؤلات حول مدى قدرة الحكومة الإثيوبية على ترجمة هذا الدعم إلى نتائج ملموسة على الأرض، في ظل التحديات الاقتصادية والسياسية والأمنية التي تواجهها البلاد، والتي قد تحد من الاستفادة الحقيقية من هذه الشراكة.
لقاءات رسمية لتعزيز التعاون
قدم فابريزي أوراق اعتماده للرئيس الإثيوبي تاي أتسكي سلاسي في 16 يناير، وعقد لقاءات موسعة مع وزير المالية الإثيوبي أحمد شيدي، حيث تم الاتفاق على تعزيز التعاون الثنائي وزيادة مشاركة القطاع الخاص ودعم الإصلاحات الاقتصادية الجارية. وأوضح السفير الإيطالي أن خطة ماتي تتضمن استثمارات بقيمة 250 مليون يورو خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهو ما يطرح تساؤلات حول آليات التنفيذ على الأرض ومدى قدرتها على مواجهة المشكلات البنيوية.
كما أكد الوزير شيدي أهمية الدعم الخارجي، خاصة مع دخول إثيوبيا عامها الثاني ضمن برنامج Extended Credit Facility لصندوق النقد الدولي، مشددًا على أن الدعم الدولي سيكون حاسمًا لاستكمال الإصلاحات الاقتصادية وتعزيز النمو المستدام.
البنية التحتية والاستثمارات الكبرى
ركز السفير فابريزي على اهتمام المستثمرين الإيطاليين بالمشاركة في مشاريع بنية تحتية استراتيجية، مشيرًا إلى أن المشاريع التحويلية، مثل بناء المطار الدولي، تمثل فرصة لإيطاليا لتعزيز وجودها الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
لكن خبراء اقتصاديين يرون أن هذه المشاريع تواجه عدة مخاطر، تشمل:
• النزاعات الإقليمية وعدم الاستقرار الأمني في بعض المناطق.
• البيروقراطية والفساد الإداري الذي قد يعيق تنفيذ المشاريع.
• التمويل الطويل الأمد والمردود الاقتصادي غير المؤكد للمشاريع الضخمة.
التعاون السياسي والدبلوماسي
إلى جانب البنية التحتية، التقى فابريزي الأسبوع الماضي بوزير الخارجية الإثيوبي جدون تيموثيوس، حيث ناقشا مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والعلمي والثقافي، إضافة إلى التحضير لمؤتمر COP32 المزمع عقده في إثيوبيا عام 2027. وأكد السفير الإيطالي التزام إيطاليا بدعم الحكومة الإثيوبية لضمان نجاح المؤتمر وتحقيق أهدافه البيئية والطموحة.
القمة الثانية لإيطاليا – إفريقيا: شراكة أم استعراض دبلوماسي؟
تستضيف أديس أبابا في 13 فبراير القمة الثانية لإيطاليا – إفريقيا، التي تجمع رؤساء الدول والحكومات المشاركة بعد إطلاق المبادرة في روما يناير 2024، برعاية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني ووزير الخارجية أنطونيو تاجاني.
وتهدف القمة لتعزيز الشراكة السياسية والاقتصادية، وتوسيع التعاون في مجالات التنمية المستدامة، البنية التحتية، الطاقة، التعليم، الصحة والزراعة. ومع ذلك، يثير بعض المراقبين التساؤل حول قدرة إثيوبيا على استيعاب هذه المشاريع في ظل التحديات الداخلية والأمنية، معتبرين أن نجاح خطة ماتي مرتبط بالقدرة الإدارية للحكومة الإثيوبية أكثر من كونها مجرد استثمار أجنبي.
بينما تصور إيطاليا خطة ماتي على أنها خارطة طريق للتنمية والتعاون الاستراتيجي، يظل الواقع الإثيوبي مليئًا بالتحديات. فالحكومة الإثيوبية تواجه مسؤولية كبيرة في إدارة هذه الاستثمارات بشكل يحقق التنمية دون أن تتحول إلى أداة نفوذ خارجي. ويظل السؤال الرئيسي: هل ستتمكن إثيوبيا من تحويل هذه الشراكة إلى نتائج ملموسة، أم أن خطة ماتي ستظل مشروعًا دبلوماسيًا وتجاريًا لإيطاليا أكثر من كونها خطة تنموية حقيقية؟












