المنشر الاخباري- 4 فبراير 2026، شكّلت زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية محطة بارزة في مسار العلاقات الثنائية بين البلدين، عكست انتقالها من مرحلة تطبيع سياسي إلى مسار أكثر عمقًا يقوم على تعزيز الشراكات الاستراتيجية، ولا سيما في المجالات الدفاعية والأمنية، إلى جانب تنسيق المواقف حيال أبرز القضايا الإقليمية والدولية.
وفي بيان مشترك صدر بمناسبة ختام الزيارة، أكدت السعودية وتركيا عزمهما على مواصلة التنسيق وتكثيف الجهود الرامية إلى صون السلم والأمن الدوليين، مشددتين على ضرورة تفعيل الاتفاقيات الموقعة بينهما في مجالات التعاون الدفاعي.
ويعكس هذا التوجه رغبة متبادلة في تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات عملية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بارتفاع منسوب التوتر وتعدد بؤر النزاع.
دفع التعاون الدفاعي إلى مستويات أعلى
أبرز ما حمله البيان المشترك هو التأكيد الصريح على رغبة البلدين في تعزيز وتطوير علاقاتهما الدفاعية بما يخدم مصالحهما المشتركة، ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة. وأشار الجانبان إلى أهمية الاستفادة من منصات التعاون متعدد الأطراف، في إشارة إلى انفتاح هذا التعاون على أطر إقليمية ودولية أوسع.
ويرى مراقبون أن هذا التركيز على التعاون الدفاعي يأتي في سياق تحولات استراتيجية تشهدها المنطقة، حيث تسعى الدول الفاعلة إلى تنويع شراكاتها العسكرية والأمنية، وتقليل الاعتماد على طرف واحد، في ظل تغير موازين القوى الدولية وتراجع اليقين في التحالفات التقليدية.
كما شدد البيان على أهمية تعزيز التعاون الأمني القائم بين الرياض وأنقرة، والتنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، وعلى رأسها مكافحة الجرائم بجميع أشكالها، ومكافحة الإرهاب والتطرف وتمويلهما. واتفق الطرفان على توسيع نطاق تبادل الخبرات والتدريب بين أجهزتهما المختصة، بما يعزز الجاهزية الأمنية ويرفع كفاءة التعامل مع التهديدات المستجدة.
الأمن السيبراني أولوية مشتركة
وللمرة اللافتة، منح البيان المشترك حيّزًا واضحًا لموضوع الأمن السيبراني، حيث أكد الجانبان أهمية تعزيز التعاون في هذا المجال الحيوي، بما يحقق مصالح البلدين ويحمي أمنهما الوطني.
ويعكس ذلك إدراكًا متزايدًا لخطورة التهديدات السيبرانية، في ظل الاعتماد المتزايد على البنى التحتية الرقمية في القطاعات الحيوية، من الطاقة إلى المال والخدمات الحكومية.
ويُتوقع أن يشهد التعاون السعودي–التركي في هذا المجال تطورًا ملموسًا خلال المرحلة المقبلة، سواء عبر تبادل الخبرات التقنية أو تنفيذ برامج تدريب مشتركة، في إطار سعي البلدين إلى تحصين فضائهما الرقمي ضد الهجمات والاختراقات.
قضايا المنطقة تحت المجهر
وأشار البيان إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي تبادلا وجهات النظر حول القضايا التي تهم البلدين على الساحتين الإقليمية والدولية، وأعربا عن قلقهما إزاء النزاعات والتوترات المتصاعدة في المنطقة، وما تحمله من مخاطر التصعيد وتداعياتها على الأمن والاستقرار.
وأكد الجانبان عزمهما على تعزيز التعاون والتنسيق المشترك حيال هذه الملفات، مع التشديد على أهمية التعاون الإقليمي ودعم المبادرات الرامية إلى تحقيق الاستقرار والسلام والازدهار في الشرق الأوسط. ويعكس هذا الموقف تقاربًا في الرؤية حيال ضرورة الحلول السياسية، والحد من الانزلاق نحو مواجهات أوسع قد تزيد من تعقيد المشهد الإقليمي.
فلسطين وغزة في صدارة المواقف
واحتلت تطورات الأوضاع في فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة، مساحة بارزة في البيان المشترك، حيث أعربت السعودية وتركيا عن بالغ قلقهما إزاء التدهور الخطير في الأوضاع الإنسانية، واستمرار العدوان الإسرائيلي، وإعاقة دخول المساعدات الإنسانية، وإغلاق المعابر الحدودية.
وشدد الجانبان على أهمية تكثيف العمل الإغاثي في غزة، والدفع نحو فتح جميع المعابر دون أي عوائق، لضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى مختلف مناطق القطاع، في ظل الظروف المعيشية القاسية التي يعاني منها السكان.
كما أكدا ضرورة قيام المجتمع الدولي بدوره في الضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لضمان حماية المدنيين، وعدم استهداف المرافق الحيوية، والالتزام بأحكام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني.
ويعكس هذا الموقف توافقًا سعوديًا–تركيًا في دعم الحقوق الفلسطينية، ورفض الانتهاكات التي تطال المدنيين والبنية التحتية.
دلالات سياسية واستراتيجية
تحمل زيارة أردوغان إلى الرياض دلالات سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، إذ تأتي في لحظة إقليمية حساسة تشهد إعادة اصطفافات وتحالفات.
ويعتبر محللون أن هذا التقارب يعزز من ثقل البلدين في معادلات الإقليم، ويمكّنهما من لعب أدوار أكثر تأثيرًا في معالجة الأزمات، سواء عبر التنسيق الثنائي أو من خلال أطر جماعية أوسع.
كما تعكس الزيارة رغبة مشتركة في تجاوز تباينات الماضي، وبناء علاقة قائمة على المصالح المتبادلة والبراغماتية السياسية، وهو ما ينسجم مع التحولات التي تشهدها السياسة الخارجية لكلا البلدين.
آفاق المرحلة المقبلة
من المتوقع أن تفتح مخرجات الزيارة الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون السعودي–التركي، خصوصًا في المجالات الدفاعية والأمنية، إلى جانب التنسيق السياسي في الملفات الإقليمية الساخنة. ويُرجّح أن تشهد المرحلة المقبلة خطوات عملية لتفعيل الاتفاقيات الموقعة، وتوسيع نطاق الشراكة بما يتلاءم مع التحديات المتغيرة.
وفي المحصلة، تعكس زيارة الرئيس التركي إلى السعودية والبيان المشترك الصادر عنها توجّهًا واضحًا نحو ترسيخ شراكة استراتيجية متوازنة، تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق السياسي والأمني، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تعاون إقليمي فاعل لمواجهة الأزمات المتراكمة في الشرق الأوسط، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وتداعياتها المستمرة.










