تتصدر اتهامات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للحزب الديمقراطى المشهد السياسى والإعلامى فى واشنطن، بعدما حوّل ملف المليونير المدان بالاعتداء الجنسى على القاصرات جيفرى إبستين إلى سلاح سياسى مباشر ضد خصومه، متهمًا شخصيات ديمقراطية بارزة بـ«التورط العميق» فى علاقات مع إبستين وشبكته السرية.
وتزامنت تصريحات ترامب مع موجة جديدة من نشر وثائق وملفات متعلقة بالقضية، ما زاد من سخونة الجدل وأعاد فتح أسئلة قديمة حول حجم الاختراق الذى أحدثه إبستين داخل دوائر السياسة والمال فى الولايات المتحدة.
ترامب: «كل أصدقاء إبستين ديمقراطيون»
فى سلسلة من التصريحات والمنشورات على منصة «تروث سوشيال» وفى أحاديث إعلامية، وصف ترامب ما سماه «ملف إبستين» بأنه «خدعة ديمقراطية جديدة» تهدف إلى تشويه صورته وإرباك المشهد السياسى قبل استحقاقات 2026، مؤكدًا أن «أصدقاء إبستين الحقيقيين هم من الديمقراطيين وليست للجمهوريين علاقة به» على حد تعبيره.
وفى مقابلة بثتها قناة أسترالية، شدد الرئيس الأمريكى على أن الحزب الجمهورى «لا علاقة له بإبستين»، مدعيًا أن جميع أصدقاء المليونير الراحل من «صفوف الديمقراطيين والنخبة الليبرالية».
ترامب كرر الوصف الذى يستخدمه كثيرًا بقوله إن «قضية إبستين خدعة أخرى مثل روسيا، روسيا»، فى إشارة إلى تحقيقات التدخل الروسى السابقة، معتبرًا أن الديمقراطيين يحاولون استخدام القضية لصرف الأنظار عن «فشلهم السياسى والاقتصادى» بحسب روايته.
هذه اللغة التصعيدية ساهمت فى تحويل ملف قضائى شائك إلى معركة سياسية مفتوحة بين البيت الأبيض الذى يسيطر عليه الجمهوريون حالياً والكونجرس الذى يملك الديمقراطيون بداخله ثقلًا مؤثرًا.
طلب رسمى للتحقيق فى علاقات الديمقراطيين بإبستينالتصعيد لم يتوقف عند حدود الخطاب الإعلامى، إذ أعلن ترامب فى منتصف نوفمبر 2025 أنه سيطلب من وزيرة العدل بام بوندى ووزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالى فتح تحقيق موسع فى علاقات عدد من الشخصيات الديمقراطية البارزة بإبستين، وفى مقدمتهم الرئيس الأسبق بيل كلينتون، ووزير الخزانة الأسبق لارى سامرز، ورجل الأعمال والمانح الديمقراطى ريد هوفمان.
واعتبر الرئيس الأمريكى أن الوثائق والسجلات الخاصة برحلات الطيران وزيارات جزيرة إبستين الخاصة تتضمن «إشارات خطيرة» على ارتباط هؤلاء وغيرهم بشبكة الاستغلال الجنسى للقاصرات التى كان يديرها.
ترامب هاجم الديمقراطيين متهمًا إياهم بـ«تسييس» القضية من خلال نشر رسائل إلكترونية تزعم أنه كان على علم أكبر بتحركات إبستين مما أُعلن سابقًا، مضيفًا أن الرد الطبيعى هو فتح كل الملفات التى تثبت من – بحسب قوله – «كان ضيفًا دائمًا فى طائرات إبستين وجزيرته».
وفى المقابل، يرفض الديمقراطيون هذه الرواية ويؤكدون أن هدفهم من الضغط لفتح الملفات هو الوصول إلى الحقيقة كاملة دون استثناء لأى طرف، بما فى ذلك ترامب نفسه.
وثائق إبستين.. ملايين الصفحات تشعل المواجهةالمواجهة السياسية تزامنت مع تطور قضائى وإعلامى لافت، تمثل فى قرار وزارة العدل الأمريكية نشر ما يصل إلى ثلاثة ملايين صفحة إضافية من ملفات إبستين، تشمل رسائل بريد إلكترونى، وسجلات طيران، ومحاضر تحقيقات، وصورًا ومواد أخرى جُمعت خلال سنوات التحقيق.
وتشير تقارير صحفية إلى أن اسم ترامب ذُكر مئات المرات داخل هذه الوثائق، سواء فى سياق اتصالات اجتماعية قديمة قبل القطيعة المعلنة بينهما، أو فى إطار إشارات من شهود حول طبيعة العلاقة بين الطرفين.
غير أن وزارة العدل أكدت أن نشر الوثائق يأتى فى إطار التزامها بالشفافية ولا يحمل إدانة تلقائية لأى اسم يرد داخلها، خاصة أن ملفات إبستين ضمت قائمة طويلة من الساسة ورجال الأعمال والمشاهير من اتجاهات مختلفة.
فى المقابل، يستغل الديمقراطيون كثافة ورود اسم ترامب فى الوثائق للضغط من أجل تحقيق أوسع فى مدى معرفته بممارسات إبستين، وهو ما يرفضه البيت الأبيض ويصفه بأنه «حملة تشويه مدروسة».
الديمقراطيون يطالبون بإفراج كامل عن «قائمة الزبائن»على الجانب الآخر من المعادلة، يواصل الديمقراطيون فى مجلس النواب الضغط من أجل نشر كل ما يتعلق بما يُعرف إعلاميًا بـ«قائمة زبائن إبستين»، وهى تسمية تشير إلى شبكة المتورطين المحتملين فى استغلال خدمات إبستين وشركائه.
وقد نجح نواب ديمقراطيون، بدعم محدود من بعض الجمهوريين، فى تمرير مساعٍ داخل الكونجرس لإجبار وزارة العدل على الكشف عن مزيد من الملفات غير المنقحة، بدعوى أن الرأى العام «له الحق فى معرفة الحقيقة كاملة».
هذا الضغط قوبل برفض واضح من ترامب، الذى وصف مبادرات الشفافية هذه بأنها محاولة من الديمقراطيين لـ«اصطياد الجمهوريين» وإدخالهم قسرًا فى القصة، مكررًا أن «المشكلة ديمقراطية بحتة» وأن حزبه «لا يخشى أى كشف للملفات لأنه لا يخفى شيئًا» بحسب قوله.
لكن ناشطين ومنظمات حقوقية يردون بأن أى إفراج كامل عن الملفات قد يطاول أسماء من مختلف الأحزاب والتيارات، وهو ما يجعل الملف أشبه بقنبلة سياسية قد تنفجر فى وجه الجميع.
معركة روايات قبل انتخابات حاسمة
مع اقتراب استحقاقات 2026، يبدو أن ملف إبستين تحوّل من قضية جنائية تتعلق بانتهاكات خطيرة بحق القاصرات إلى ورقة سياسية مركزية فى صراع الروايات بين الجمهوريين والديمقراطيين.
ترامب يسعى من خلال التركيز على «تورط الديمقراطيين» فى علاقات مع إبستين إلى تقويض صورة خصومه الأخلاقية والضغط على رموز الحزب المنافس، وفى مقدمتهم عائلة كلينتون وشخصيات اقتصادية مؤثرة تموّل الحملات الانتخابية.
فى المقابل، يحاول الديمقراطيون إبقاء الأنظار مسلطة على الأسئلة المتعلقة بعلاقة ترامب نفسه بإبستين، مستندين إلى كثافة ذكر اسمه فى الوثائق الجديدة وشهادات بعض الضحايا ورسائل البريد الإلكترونى التى ظهرت فى الأشهر الماضية، مع المطالبة بإفراج كامل عن الأرشيف وعدم استثناء أى شخص من التحقيق.
وبين اتهامات متبادلة وملفات ما زالت تُفتح تباعًا، يبدو أن اسم إبستين سيظل حاضرًا بقوة فى المشهد الأمريكى، ليس فقط كعنوان لواحدة من أبشع قضايا الاستغلال الجنسى، بل كرمز لمعركة سياسية شرسة يشنّ فيها ترامب هجومًا مباشرًا على الديمقراطيين متهمًا إياهم بالتورط والتستر معًا.










