يشهد ملف تنظيم المهن الرياضية فى مصر حراكًا تشريعيًا ملحوظًا، بعد تحرك الحكومة والبرلمان لتعديل بعض أحكام قانون نقابة المهن الرياضية الصادر عام 1987، فى خطوة تستهدف – وفق التفسير الرسمى – تحديث الإطار القانونى للمجال الرياضى بما يتواكب مع التطور العلمى والمؤسسى واتساع نطاق التخصصات الرياضية الحديثة.
وتزامن هذا المسار مع تعديلات موازية على قانون الرياضة نفسه، لتتشكل معًا «حزمة تشريعات رياضية» جديدة تُعيد رسم العلاقة بين الدولة والنقابات والهيئات الرياضية والأفراد العاملين فى المهنة.
موافقة برلمانية ورسالة سياسية من الحكومة
خلال الجلسات الأخيرة لمجلس النواب، وافق المجلس من حيث المبدأ على مشروع القانون المقدم من الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون رقم 3 لسنة 1987 بإنشاء وتنظيم نقابة المهن الرياضية، وسط إشادة من وزير الشباب والرياضة أشرف صبحى بما وصفه بـ«شراكة تشريعية» بين الوزارة والبرلمان لتطوير المنظومة الرياضية تشريعًا وتنفيذًا.
وأكد الوزير تحت قبة البرلمان أن الهدف الرئيسى من التعديل هو تعزيز الانضباط فى تنظيم المهنة وعضوية النقابة، وتحقيق وضوح الاختصاصات وتكامل الأدوار بين الجهات المعنية فى الدولة والنقابة والمؤسسات التعليمية.
فى المقابل، كان مجلس الشيوخ قد سبق هذه الخطوة عندما وافق نهائيًا، فى ديسمبر 2025، على تعديلات قانون نقابة المهن الرياضية بعد مناقشات مطولة حول صياغة المواد المتعلقة بالمؤهل الدراسى وآلية اعتماد الدراسات المتخصصة ودور المجلس الأعلى للجامعات
وبذلك بات مشروع القانون يتحرك فى مراحله الأخيرة قبل الصدور النهائى بعد استكمال دورة المناقشة بين غرفتى البرلمان والتصديق الرئاسى.
جوهر التعديلات: من يملك حق دخول النقابة؟
أبرز ما تضمنته التعديلات هو إعادة صياغة المادة الخامسة من قانون النقابة، خصوصًا البند (ج) الذى يحدد شروط القيد، بحيث يشترط أن يكون المتقدم حاصلًا على مؤهل متخصص فى «علوم الرياضة أو التربية الرياضية» بإحدى شعبها المهنية، أو على دراسة متخصصة فى مجال الشعبة تُقرّها الوزارة المعنية بشؤون الرياضة، بعد أخذ رأى المجلس الأعلى للجامعات، مع إخطار النقابة بذلك.
ويأتى هذا التعديل استبدالًا للصياغة القديمة التى كانت تعتمد فقط على تعبير «التربية الرياضية»، بما يعكس توسع الدولة فى الاعتراف بالمظلة الأوسع لعلوم الرياضة الحديثة.
كما شملت التعديلات استبدال عبارة «المهن الرياضية» بعبارة «مهنة التربية الرياضية والرياضة» فى بعض مواد القانون، لضمان الاتساق التشريعى وتوحيد المصطلحات بين نصوص قانون المهن الرياضية وقانون الرياضة واللوائح التنفيذية ذات الصلة.
ووفق ما أكده ممثلو الحكومة تحت القبة، فإن هذه الصياغة تستهدف منع الفوضى فى منح مسميات «خبير» و«مدرب» و«استشارى» داخل السوق الرياضى دون سند علمى معتمد.
المجلس الأعلى للجامعات.. رأى لا «فيتو»أحد محاور الجدل داخل مجلس الشيوخ تمثل فى الصياغة المتعلقة بدور المجلس الأعلى للجامعات فى اعتماد المؤهلات والدراسات المتخصصة المؤهلة لعضوية النقابة.
فقد طُرح مقترح برلمانى سابق بأن يكون انضمام الدارسين إلى النقابة «بعد اعتماد المجلس الأعلى للجامعات»، قبل أن تطلب الحكومة العودة لصياغة أقل تشددًا تنص على «أخذ رأى» المجلس دون أن يمتلك سلطة اعتماد ملزمة.
المستشار محمود فوزى، وزير المجالس النيابية والشؤون القانونية، برر هذا التعديل بأن منح المجلس الأعلى سلطة الاعتماد المباشر قد يفتح الباب للطعن بعدم الدستورية، مؤكدًا أن وزارتى الشباب والرياضة والتعليم العالى متفقتان على أن يقتصر دور المجلس على إبداء الرأى لتوحيد المعايير العلمية دون تعطيل لاستقلال النقابة أو حرية التنظيم المهنى
هذا التوازن، وفق الحكومة، يحافظ على دور الدولة فى ضبط جودة المؤهلات العلمية وفى الوقت نفسه لا يحول المجلس الأعلى إلى «فيتو» على قرارات النقابة.
مخاوف من إقصاء شريحة من العاملين بالمجال
على الضفة الأخرى، حذر عدد من البرلمانيين والخبراء من أن اشتراط مؤهلات محددة وصياغات أكثر دقة قد يؤدى فعليًا إلى استبعاد نسبة غير قليلة من العاملين الحاليين بالمجال الرياضى من إمكانية الانضمام إلى النقابة.
وفى مناقشات مجلس الشيوخ، نبّه الدكتور نبيل دعبس، رئيس لجنة التعليم والبحث العلمى، إلى أن بعض الصياغات قد تحرم أكثر من 20٪ من الرياضيين من عضوية النقابة، خصوصًا أولئك الذين لم يحصلوا على مؤهلات أكاديمية متخصصة رغم امتلاكهم سجلات إنجاز رياضية قوية.
دعبس طالب بضرورة النص صراحة على منح كل رياضى حاصل على ميدالية أولمبية أو قارية أو دولية الحق فى عضوية النقابة دون شروط إضافية، باعتبار أن هؤلاء يمثلون «ثروة وطنية» يجب أن تحتضنها المنظومة لا أن تقصيها.
ورغم أن التعديل لم يُقر بهذا النص الحرفى حتى الآن، إلا أن النقاش ألقى الضوء على التوازن الصعب بين رفع سقف الجودة المهنية وعدم إغلاق الباب أمام الكفاءات ذات الخبرة العملية غير الأكاديمية.
رؤية الحكومة: حوكمة وانضباط وتشبيك مؤسسىفى السياق الأوسع، يربط وزير الشباب والرياضة أشرف صبحى بين تعديلات قانون المهن الرياضية والقوانين الأخرى التى أُقرت خلال الأعوام الأخيرة، وعلى رأسها قانون الهيئات الشبابية وقانون الرياضة الذى أُدخلت عليه تعديلات مهمة فى 2025 شملت إلغاء شرط «الثمانى سنوات» واستبداله بثلاث دورات انتخابية كاملة لمجالس إدارات الأندية بما يساوى 12 سنة.
ويؤكد الوزير أن هذه الحزمة التشريعية تهدف إلى «ضبط الأداء الرياضى» وتعزيز مبادئ الحوكمة واستقلالية الهيئات وفق الميثاق الأوليمبى، مع منح الدولة سلطات رقابية محددة لمنع الانحرافات دون المساس بالاستقلال الرياضى.
كما يشير مسؤولو وزارة الشباب والرياضة إلى أن مشروع تعديل قانون المهن الرياضية يضع إطارًا قانونيًا أوضح لاختصاصات اعتماد الدراسات والمسارات المؤهلة للالتحاق بالنقابة، بما يمنع تضارب الجهات المسؤولة ويضمن توحيد المعايير العلمية والمهنية، ويعزز الثقة فى إجراءات القيد ويحافظ على المستوى المهنى للعاملين بالمجال.
وبذلك تسعى الدولة إلى مواءمة البنيان الأكاديمى المتنوع لعلوم الرياضة مع متطلبات سوق العمل الرياضى المحترف
نحو مرحلة جديدة لتنظيم المهنة
بين مؤيد يرى فى التعديلات خطوة ضرورية لتطهير المجال من الدخلاء ورفع مستوى الكفاءة، ومتحفظ يخشى من إقصاء شريحة من الممارسين الحاليين أو تضييق باب العضوية، يمضى مشروع تعديل قانون المهن الرياضية نحو مراحله النهائية، وسط توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة إصدار لوائح تنفيذية تفصيلية توضح مسارات تطبيق النصوص الجديدة على أرض الواقع.
وبانتظار هذه اللوائح، يبقى العاملون فى المجال الرياضى – من مدربين وحكام وأخصائيين وإداريين – فى حالة ترقب لمعرفة كيف ستنعكس التعديلات على أوضاعهم القانونية وحقوقهم النقابية، وهل ستفتح أمامهم آفاقًا أوسع للمأسسة والاحتراف، أم تضيف طبقة جديدة من الاشتراطات البيروقراطية على طريق ممارسة المهنة.










