من قمة ٥٠٠٠ إلى تحت الضغط: هل بدأ عصر التصحيح العنيف لأسعار الذهب العالمية؟
تشهد أسواق الذهب العالمية اليوم الجمعة ٦ فبراير حالة من التراجع الحاد في الأسعار، بعد موجة من الصعود القوي دفعت الأونصة إلى الاقتراب من مستويات تاريخية قرب ٥٠٠٠ دولار خلال الأيام الماضية، قبل أن تنقلب المؤشرات سريعًا تحت ضغط موجة بيع واسعة وارتفاع في قوة الدولار.
حالة «التصحيح العنيف» الحالية أثارت قلق المتعاملين والمستثمرين حول العالم، وفتحت الباب أمام تساؤلات عن مستقبل المعدن الأصفر على المدى القصير، في ظل تناقض الإشارات القادمة من الاقتصاد العالمي وأسواق الفائدة.
الأونصة تكسر حاجز ٤٨٠٠ دولار بعد خسائر كبيرة
وفق أحدث البيانات المنشورة عن تداولات اليوم، سجّل سعر أونصة الذهب العالمي انخفاضًا بنحو ٢٪ تقريبًا خلال تعاملات الجمعة، ليلامس أدنى مستوى عند ٤٧٨٩ دولارًا للأونصة، بعد أن افتتح التداولات بالقرب من ٤٩٩٥ دولارًا.
تقارير اقتصادية متخصصة أشارت كذلك إلى أن السعر الفوري للأونصة تراوح، في توقيتات مختلفة من اليوم، حول ٤٧٨٢–٤٨٦٤ دولارًا، مع تذبذب حاد في نطاق يقارب ١٠٠–٢٠٠ دولار خلال جلسة واحدة.
وفي رصد آخر نشرته جهة دولية، بلغ السعر الفوري للذهب في سوق السبائك العالمية حوالي ٤٨٢٨٫٢ دولار للأونصة في الساعات الأولى من يوم ٦ فبراير، بانخفاض يقارب ١٦٢٫٩٥ دولارًا للأونصة مقارنة باليوم السابق، وهو ما يعكس حدة الموجة البيعية الحالية.
هذا التراجع جاء بعد فترة قصيرة من تداول الذهب فوق مستوى ٥٠٠٠ دولار للأونصة، وفق بيانات عقود الفروقات التي تابعت الصعود الشهري القوي للعملة الصفراء.
من قمة ٥٠٠٠ دولار إلى موجة بيع عنيفة
بيانات الأسواق العالمية توضح أن الذهب كان قد صعد خلال الشهر الأخير إلى ما فوق ٥٠١٧ دولارًا للأونصة في ٤ فبراير، بنسبة ارتفاع تجاوزت ١٢٪ خلال شهر واحد، وبأكثر من ٧٤٪ مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، قبل أن تبدأ موجة جني أرباح عنيفة تدفع الأسعار للهبوط السريع.
هذا التراجع يُنظر إليه من جانب بعض المحللين باعتباره «تصحيحًا طبيعيًا» بعد صعود حاد، بينما يرى آخرون أنه بداية موجة هبوط أوسع إذا استمر الدولار في الارتفاع وظلت توقعات الفائدة العالمية تميل لمزيد من التشديد أو تثبيت مرتفع لفترة أطول.
موقع اقتصادي متخصص وصف ما يحدث بأنه «الذهب يودّع مستوى ٥٠٠٠ دولار مؤقتًا»، مشيرًا إلى أن السعر الفوري للأونصة تحرك صباح الجمعة حول ٤٧٨٢ دولارًا، مع تذبذب قوي وتدخل مكثف من صناديق الاستثمار وصناع السوق.
الفضة تتهاوى بالتوازي مع الذهبلم يكن الذهب وحده في مرمى الضغوط، إذ امتدت موجة البيع إلى الفضة التي شهدت هبوطًا حادًا في المعاملات الفورية، بنسبة وصلت إلى نحو ١٢٫٤٪ عند إحدى لحظات التداول، لتسجل حوالي ٧٧٫٠٩ دولارًا للأونصة بعد أن كانت قد لامست مستوى قياسيًا قدره ١٢١٫٦٤ دولارًا في الأسبوع السابق.
هذا الانخفاض العنيف في الفضة يعكس حالة «فك الرافعة» في مراكز المضاربة عالية المخاطر، حيث يتجه المستثمرون إلى تصفية المراكز ذات الهامش المرتفع عند أول إشارة على انقلاب الاتجاه في الذهب.
لماذا يهبط الذهب الآن رغم التوترات العالمية؟السؤال الأبرز في الساحة المالية اليوم هو: لماذا يهبط الذهب – الملاذ الآمن التقليدي – في وقت لا تزال فيه التوترات الجيوسياسية والضبابية الاقتصادية حاضرة بقوة؟
تقارير عدة تربط بين ما يجري وبين ثلاثة عوامل رئيسية:قوة الدولار، الذي صعد إلى مستويات هي الأعلى منذ أسابيع، ما يجعل الأصول المقومة بالدولار أكثر كلفة لحائزي العملات الأخرى.
توقعات الفائدة؛ إذ تشير تحليلات إلى أن البنوك المركزية الكبرى قد تُبقي على مستويات فائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، ما يزيد جاذبية السندات على حساب الذهب الذي لا يدر عائدًا ثابتًا.
عمليات جني الأرباح، بعد صعود قياسي لأسعار الذهب والفضة خلال الأسابيع الماضية، ما فتح شهية الصناديق على البيع لتأمين مكاسب سريعة.
هذه العوامل مجتمعة تدفع المستثمرين قصيري الأجل إلى الخروج من مراكز الذهب، بينما يراقب المستثمرون طويلو الأجل عن كثب بحثًا عن مستويات سعرية جديدة يمكن اعتبارها جاذبة لإعادة بناء المراكز.
انعكاسات الهبوط العالمي على الأسواق المحلية
الهبوط العالمي لأسعار الذهب انعكس بوضوح على أسواق التجزئة في عدد كبير من الدول، ومن بينها الأسواق العربية، حيث شهدت أسعار الجرام – خاصة عيار ٢٤ و٢١ – تراجعًا متزامنًا مع انخفاض الأونصة العالمية.
ففي مصر مثلًا، تراجعت أسعار الجرامات والجنيه الذهب بعد هبوط الأونصة، بينما شهدت السوق السعودية هبوطًا ملحوظًا في أسعار عيارات ٢٤ و٢١ مع انخفاض عالمي تجاوز ٢٪.
هذا الارتباط الوثيق بين السعر العالمي والأثمان المحلية يعيد طرح السؤال التقليدي لدى المدخرين: هل الوقت مناسب للشراء في الأسواق الداخلية مع كل موجة هبوط عالمية، أم أن مزيدًا من التراجع قد يكون في الطريق؟
كيف يقرأ المستثمرون المشهد في الساعات المقبلة؟التقديرات الأولية تشير إلى أن الذهب قد يظل في نطاق تذبذب واسع خلال جلسات اليوم، بين محاولات ارتداد فني إلى أعلى وعمليات بيع إضافية إذا استمر ضغط الدولار وبيانات الفائدة في الاتجاه نفسه.
منصات التداول الفوري ومواقع تسعير الذهب العالمية التي تُحدّث أسعارها لحظيًا بالدولار تُعد الآن الأداة الرئيسية لمراقبة أي تغيير في الاتجاه، خاصة مع حساسية الأسعار لأي تصريح من مسؤولي البنوك المركزية أو أي بيانات تضخم ونمو جديدة.
وبين قلق حائزي الذهب من ضياع جزء من مكاسبهم، وترقّب الباحثين عن «نقطة دخول» جديدة بسعر أقل، تبدو سوق الذهب العالمية اليوم الجمعة ٦ فبراير وكأنها تقف عند مفترق طرق جديد: إما استقرار نسبي يفتح الباب لجولة صعود أخرى، أو استمرار موجة التصحيح نحو مستويات أدنى قد تعيد رسم خريطة الملاذات الآمنة في الفترة المقبلة.










