كاميرات لم تصمت: كيف وثّقت عدسات المراقبة اللحظات الأخيرة في حياة سيف الإسلام القذافي؟
سيف الإسلام القذافي قُتل في عملية اغتيال داخل منزله في الزنتان غرب ليبيا، وسط تضارب حول وضع كاميرات المراقبة بين روايات تحدثت عن تعطيلها وأخرى أكدت أنها كانت تعمل وأن تسجيلاتها بحوزة النائب العام.
خلفية سريعة عن عملية الاغتيال
أعلن عن مقتل سيف الإسلام القذافي مساء الثلاثاء داخل مقر إقامته في مدينة الزنتان جنوب غرب العاصمة طرابلس، على يد مجموعة مسلحة ملثمة لا تزال هويتها مجهولة رسميًا.
مصادر مقربة ومستشاره عبد الله عثمان أكدوا أنه قُتل في عملية وُصفت بأنها «جريمة اغتيال» خارج إطار القانون، ما فتح الباب أمام تساؤلات حادة حول الجهة المستفيدة من إسكاته سياسيًا.
تقارير إعلامية نقلت عن مصادر خاصة أن المهاجمين تسلقوا سور المنزل، ونفذوا الهجوم في وقت وجيز قبل أن يلوذوا بالفرار إلى جهة غير معلومة، فيما فُتح تحقيق من قبل مكتب النائب العام الليبي.
طب تقارير أخرى، تعرّض سيف الإسلام لوابل من الرصاص داخل منزله، إذ تحدثت إحدى الروايات عن 19 رصاصة في جسده، بينما أشارت أخرى إلى 28 طلقة أُطلقت عليه من مسافة قريبة، بينها رصاصة في الرأس، ما يعكس طابعًا انتقاميًا واضحًا للعملية.
وعلى الصعيد الاجتماعي والسياسي، أثارت الجريمة موجة غضب في الأوساط القريبة من عائلة القذافي، مع وصفها بأنها استهداف لفرص المصالحة والاستقرار، واتهام «أطراف مجهولة» بالسعي إلى إجهاض أي تسوية يكون سيف الإسلام جزءًا منها.
قنوات عربية نقلت عن «مصادر خاصة» ووسائل إعلام ليبية أن المجموعة التي نفذت الهجوم بدأت أولًا بتعطيل كاميرات المراقبة في محيط المنزل، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها تهدف إلى طمس أي دليل بصري قد يقود لاحقًا إلى التعرف على الجناة.
هذه الرواية انسجمت مع صورة «عملية احترافية» نفذها مسلحون يعرفون تضاريس المكان وطبيعة المنظومة الأمنية المحيطة بسيف الإسلام.
في المقابل، نقلت تقارير صحفية استنادًا إلى مصادر مطلعة على مسار التحقيق النيابي أن الكاميرات «كانت تعمل»، وأن تسجيلاتها أُودعت لدى مكتب النائب العام الليبي، في تناقض مباشر مع سردية التعطيل الكامل للمنظومة.
هذه المصادر تحدثت عن أن جزءًا من تسجيلات تلك الليلة بات في عهدة لجنة تحقيق نيابية، وأنها تتضمن على ما يبدو مشاهد للحظات السابقة واللاحقة لعملية الاغتيال داخل محيط المنزل.
ويشير ذلك إلى احتمال أن الجناة لم ينجحوا في تعطيل كل الكاميرات، أو أنهم ركزوا على نقاط معينة، بينما ظلت كاميرات أخرى تعمل وتوثّق تحركاتهم.
ماذا يعني وجود تسجيلات للاغتيال؟
وجود تسجيلات مصوّرة لعملية الاغتيال – إذا تأكدت الرواية التي تتحدث عن كاميرات تعمل – قد يحوّل ملف مقتل سيف الإسلام من مجرد «حادث غامض» إلى قضية جنائية ذات أدلة حسية قوية، يمكن أن تكشف هوية الفاعلين أو الجهة التي تقف وراءهم.
مصادر قانونية ترى أن امتلاك مكتب النائب العام لهذه التسجيلات يفرض عليه مسؤولية مضاعفة في إدارة التحقيق بشفافية، وكذلك في حمايتها من أي تلاعب أو تسريب انتقائي قد يُستخدم لتصفية حسابات سياسية داخلية.
كما أن أي تسريب مستقبلي لمقاطع من هذه التسجيلات إلى الرأي العام أو الإعلام، قد يشعل مرحلة جديدة من الصراع السياسي والإعلامي في ليبيا، بين من سيستخدم الصور لإدانة خصومه ومن سيشكك في صحتها أو سياقها.
في جانب آخر، يطرح نشاط الكاميرات – إن ثبت – أسئلة حادة حول أداء الحراسة الخاصة بسيف الإسلام، وكيف أمكن لمجموعة مسلحة أن تدخل محيط المنزل، وتطلق هذا العدد الكبير من الرصاص، وتنسحب، رغم أن المكان يخضع للمراقبة المرئية.
بعض التفسيرات المتداولة تشير إلى احتمال وجود «تسهيل داخلي» أو ثغرات متعمدة في المنظومة الأمنية، خاصة في بلد تعيش مؤسساته تحت نفوذ جماعات مسلحة وتعدد مراكز القوى.
في المقابل، يفضّل فريق آخر عدم استباق التحقيقات، ويرى أن الإجابة الحاسمة عن هذه الأسئلة لن تأتي إلا مع الكشف الرسمي عن مضمون التسجيلات وتقرير لجنة التحقيق النيابية والنيابة العامة.
بين التحقيقات والدفن: أسئلة لا تزال معلّقة
في المشهد الميداني، جرى تشييع سيف الإسلام القذافي ودفنه في مدينة بني وليد غرب ليبيا، بعد أن رفض أعيان الزنتان دفنه في المدينة، في مؤشر على حساسية وجوده حتى بعد مقتله في منطقة ظلت لسنوات مركزًا لاحتجازه ونفوذ خصومه.
مراسم الدفن اقتصرت – وفق تقارير صحفية – على أفراد من عائلته وعدد من الأعيان، وسط إجراءات تنظيمية وأمنية مشددة، خشية تحوّل الجنازة إلى تظاهرة سياسية أو صدام بين أنصار ومعارضي نجل الزعيم الليبي الراحل.
الهتافات التي رُددت في الجنازة حمّلت «مسلحين ملثمين» مسؤولية الاغتيال وطالبت بفتح تحقيق شفاف والكشف عن الجهات المخططة والمنفذة، في وقت التزمت فيه جهات رسمية رئيسية الصمت أو التصريحات العامة عن «متابعة القضية».
على المستوى الرسمي، تشير المعطيات المتاحة إلى أن مكتب النائب العام فتح تحقيقًا في الواقعة، بدعم من لجنة تحقيق نيابية أعلنت مصادر فيها أنها بدأت جمع الإفادات والوثائق، ومن ضمنها ما يرتبط بكاميرات المراقبة داخل وحول منزل سيف الإسلام.
ورغم هذا الحراك، لا تزال هوية الفاعلين ودوافعهم غير معلنة، بينما تستمر التحليلات السياسية في طرح سؤال «من المستفيد؟» في بلد تتقاطع فيه حسابات الداخل مع أجندات خارجية، ويُنظر إلى سيف الإسلام فيه باعتباره شخصية يمكن أن تعيد خلط أوراق السلطة إذا بقيت في المشهد.
وبين روايات تعطيل الكاميرات وتأكّد عملها، تبقى الحقيقة الكاملة مؤجلة إلى حين خروج رواية رسمية موثقة، أو تسريبات جديدة قد تجعل من تلك العدسات الصامتة شاهدًا رئيسيًا على واحدة من أكثر عمليات الاغتيال إثارة للجدل في ليبيا ما بعد 2011.










