ساعة ونصف بلا حراسة: الفراغ الأمني الذي مهّد لاغتيال سيف الإسلام القذافي
انسحاب حرس سيف الإسلام القذافي قبل نحو ساعة ونصف من اغتياله أضاف طبقة جديدة من الغموض والريبة إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة في ليبيا ما بعد 2011، وفتح الباب واسعًا أمام فرضيات «التسهيل» و«التواطؤ» و«الاختراق الأمني» في مشهد معقد أصلًا.
ما الذي نعرفه عن انسحاب الحرس؟
وفق تسريبات نُقلت عن مصادر في لجنة التحقيق النيابية الليبية، فإن الحراسات المكلفة بتأمين محيط إقامة سيف الإسلام القذافي انسحبت قبل وقوع حادثة الاغتيال بنحو ساعة ونصف، لأسباب لم تُعلن حتى الآن.
هذه المعلومة تتقاطع مع ما نشرته وسائل إعلام عربية نقلًا عن تقارير تحقيق أولية أشارت صراحة إلى «انسحاب الحراسات الأمنية من محيط الإقامة» قبل الحادثة بوقت وجيز، في توقيت وصفه كثيرون بأنه «مريب» وغير مفهوم في ظل حساسية الشخص المستهدف.
التقارير ذاتها أوضحت أن تقرير الطبيب الشرعي حدد وقت الوفاة تقريبًا عند الساعة السادسة إلا دقائق من مساء يوم الثلاثاء، بينما جرى الانسحاب الأمني قبل ذلك بوقت يقدَّر بساعة ونصف، ما يعني أن المنزل ظل عمليًا بلا حماية رسمية في الفترة الحرجة التي نُفذت خلالها العملية.
مصادر أخرى تحدّثت عن أن الانسحاب شمل القوة الأساسية المكلفة بتأمين محيط الإقامة، ما ترك الدائرة الأقرب لسيف الإسلام في حالة هشاشة أمنية غير معتادة بالنسبة لشخص كان يُنظر إليه كـ«وريث محتمل» وفاعل سياسي ثقيل في المعادلة الليبية.
بين روايات الحرس وكاميرات المراقبة
رواية لجنة التحقيق النيابية – كما نقلها تلفزيون محلي – لم تتوقف عند انسحاب الحرس، بل أشارت أيضًا إلى أن كاميرات المراقبة الداخلية في مقر إقامة سيف الإسلام كانت تعمل، وكانت مرتبطة بهاتف شخص موجود خارج الزنتان ومقرّب من الضحية.
هذا التفصيل يوحي بأن جزءًا من المشهد الأمني ظل موثقًا بصريًا رغم انسحاب الحرس، الأمر الذي يطرح أسئلة إضافية حول من كان يتابع هذه الكاميرات لحظة وقوع الهجوم، ومتى وصلت إليه الصور.
في المقابل، ما زالت مصادر من الفريق السياسي لسيف الإسلام تؤكد رواية مختلفة، مفادها أن أربعة مسلحين ملثمين اقتحموا المنزل بعد تعطيل كاميرات المراقبة، وأن العملية جرت في ساعة مبكرة من الفجر وداخل حالة اشتباك حاول خلالها سيف الإسلام المقاومة قبل أن يُردى قتيلًا.
الفارق بين الروايتين لا يقتصر على توقيت الهجوم أو وضع الكاميرات، بل يمتد إلى الصورة العامة لدور الحرس: فبينما تلمّح المصادر النيابية إلى انسحاب غامض سبق الجريمة، يركّز المقربون من سيف الإسلام على «هجوم مباغت» استغل ثغرات المراقبة الإلكترونية والحراسة معًا.
فرضيات حول أسباب الانسحاب
حتى لحظة كتابة هذا التقرير، لا توجد رواية رسمية تشرح سبب مغادرة الحرس لمواقعهم قبل الحادثة، لكن عددًا من الفرضيات يتردد في الكواليس السياسية والإعلامية.
الفرضية الأولى تتحدث عن «تعليمات عليا» صدرت بسحب القوة أو جزء منها، تحت مبررات لوجستية أو تبديل نوبات، في بلد اعتاد فيه الليبيون أن تكون القرارات الأمنية الحساسة مرتبطة بحسابات سياسية معقدة.
الفرضية الثانية تذهب إلى احتمال حدوث تنسيق أو اختراق داخل صفوف الحرس أنفسهم، سواء عبر إغراءات مالية أو ضغوط، ما سمح بانسحابهم في التوقيت الذي احتاجه المنفذون للدخول والخروج بهدوء نسبي.
فرضية ثالثة – أكثر حذرًا – ترى أن الانسحاب قد يكون جاء في سياق روتيني (تبديل نوبة، خلل تنظيمي، أو استدعاء مفاجئ)، وأن المنفذين استغلوا هذه الثغرة الزمنية القصيرة لشن هجوم محسوب بدقة، مستفيدين من معلومات مسبقة عن جداول الحراسة وتحركات سيف الإسلام داخل منزله وحديقته.
وبين هذه السيناريوهات، تكتفي النيابة العامة حتى الآن بالتأكيد على استمرار التحقيق وجمع الأدلة، من دون توجيه اتهام مباشر لأي جهة أو التلميح إلى تورط عناصر من الحرس أنفسهم.
تأثير انسحاب الحرس على مسار التحقيق
تفصيل انسحاب الحرس قبل الاغتيال بات عنصرًا محوريًا في قراءة ما جرى، إذ ينظر إليه المحققون والمراقبون كعامل يغيّر توصيف العملية من مجرد «هجوم مباغت» إلى احتمال «عملية مخطط لها بعناية مع استغلال أو صناعة فراغ أمني متعمد».
فمن ناحية جنائية، سيُسأل أفراد الحراسات الذين غادروا الموقع عن الجهة التي أبلغتهم بالانسحاب، وعن طبيعة الأوامر التي تلقوها، ولماذا لم تُتخذ إجراءات بديلة لحماية شخصية بهذا الوزن.
ومن ناحية سياسية، قد يتحول هذا التفصيل إلى مادة صراع بين الأطراف المتنافسة في ليبيا، كل منها يحاول توظيفه لاتهام الآخر بالتورط المباشر أو التقصير الفادح في حماية سيف الإسلام.
كما أن أي تسجيلات كاميرا أو سجلات اتصالات – سواء بهواتف أفراد الحرس أو بهاتف سيف الإسلام الذي أشارت تقارير إلى أنه كان يستخدم رقمًا مسجلاً في صربيا – يمكن أن تساعد في رسم خط زمني دقيق يبدأ من لحظة انسحاب الحرس وحتى اللحظات الأخيرة قبل إطلاق النار.
وفي ظل انقسام الروايات حول توقيت العملية وعدد الطلقات (19، 18 أو 28 رصاصة بحسب مصادر مختلفة)، يبقى ثابت واحد يتكرر في معظم التقارير: أن رجلًا كان محاطًا بحماية مشددة لسنوات، تُرك فجأة في فراغ أمني قاتل، ليُغتال في منزله بينما تستعد ليبيا لجولة جديدة من الصراع على السلطة، بدون أحد أبرز اللاعبين المحتملين في مستقبلها السياسي.










