إسرائيل تعيش على وقع فضيحة أمنية وسياسية جديدة بعد الكشف عن تورط شقيق رئيس جهاز الأمن العام «الشاباك» فى شبكة تهريب سجائر وبضائع إلى قطاع غزة، ضمّت جنودًا فى الجيش الإسرائيلى واستغلت ظروف الحرب لتحقيق أرباح مالية ضخمة، مع شبهات بـ«مساعدة العدو فى زمن الحرب».
من هو المتهم؟ وكيف سقطت الشبكة؟
القضية تتمحور حول «بتسلئيل زينى»، شقيق دافيد زينى رئيس جهاز «الشاباك» الإسرائيلى، الذى تم القبض عليه مع 13–14 شخصًا آخرين خلال مداهمة استهدفت شبكة تهريب بضائع وسجائر إلى قطاع غزة.
ووفق النيابة الإسرائيلية، فإن المتهم ليس مجرد مدنى، بل كان يخدم كضابط احتياط فى الجيش، ومسؤولًا عن وحدة هندسية تُشرف على تدمير مبانٍ فى غزة، ما منحه تصاريح خاصة وحركة ميسّرة عبر المعابر.
التحقيقات أوضحت أن زينى استغل هذه التصاريح لنقل كراتين سجائر وبضائع أخرى عبر معبر «سوفا» فى جنوب القطاع، تحت غطاء المهام العسكرية واللوجستية، وفى ظل إغلاق المعبر أمام حركة المساعدات الإنسانية لمعظم فترات الحرب.
تقارير عبرية تشير إلى أن اعتقاله جرى قبل نحو أسبوعين من الإعلان الرسمى عن القضية، وأن اسمه تسرّب تدريجيًا إلى الإعلام بعد موجة تسريبات عن تورط «شخصية قريبة من رأس الهرم الأمنى».
ماذا هرّبت الشبكة؟ وأين دور الجنود؟
لائحة الاتهام تتحدث عن تهريب ما يقرب من 14 صندوقًا من السجائر إلى غزة على عدة دفعات، حصل زينى مقابلها على نحو 365 ألف شيكل، أى ما يعادل تقريبًا 117 ألف دولار أمريكى.
لكن القضية لا تتوقف عند السجائر؛ إذ تشير وثائق الاتهام وتصريحات النيابة إلى أن الشبكة ضمت جنود احتياط وعناصر أخرى متهمة أيضًا بتهريب هواتف محمولة (آيفون)، وبطاريات، وقطع غيار سيارات، وسلعًا مطلوبة فى السوق السوداء داخل القطاع المحاصر.
النيابة الإسرائيلية وصفت نشاط الشبكة بأنه «منظم ومتطور»، مستفيدة من الفوضى التى صاحبت الحرب على غزة، والاحتكاك اليومى بين القوات الإسرائيلية والمعابر، واحتياج الغزيين الشديد لكل ما يمكن إدخاله إلى القطاع تحت الحصار.
بعض أفراد الشبكة متهمون باستخدام القوافل العسكرية والشاحنات المصرح لها بالدخول كغطاء، مع تقديم روايات مضلِّلة لجنود التفتيش بأن الحمولة مخصصة لأغراض عسكرية أو إنسانية رسمية.
تهريب السجائر… «اقتصاد حرب» يغذّى حماس
أخطر ما فى القضية هو ما أكدته النيابة العامة ووسائل إعلام غربية من أن تهريب التبغ والسجائر تحديدًا ساهم خلال الحرب فى ضخ «مئات الملايين من الشواكل» فى خزائن حركة حماس عبر السوق السوداء فى غزة.
فمع ندرة السجائر وارتفاع الطلب، تحولت هذه السلعة إلى واحدة من أكثر أدوات التجارة ربحًا، حيث تُباع بأسعار مضاعفة فى القطاع، ويُعتبر جزء من العوائد بمثابة موارد تمويلية للفصائل المسيطرة.
النيابة قالت صراحة إن المتهمين «كانوا على علم بأن البضائع المهربة يمكن أن تصل إلى جهات مسلحة، من بينها حماس»، وأن أنشطتهم تُصنَّف ضمن «مساعدة العدو فى زمن الحرب» وتمويل الإرهاب، إلى جانب تهم الاحتيال والرشوة.
هذا الوصف القانونى رفع القضية من مجرد ملف فساد وتهريب، إلى مستوى قضية أمن قومى تمس صورة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ذاتها، إذ إن شقيق رئيس أهم جهاز داخلى متهم بأن شحناته ساهمت فى تمويل من تعتبرهم إسرائيل «أعداءها المباشرين».
«فضيحة بيت المخابرات» وردود الفعل السياسية والإعلاميةالإعلام الإسرائيلى والعربى وصف القضية بأنها «فضيحة تهز بيت المخابرات الإسرائيلية»، خاصة أن دافيد زينى، رئيس الشاباك، يُقدَّم حاليًا باعتباره الرجل الأقوى فى منظومة الأمن الداخلى منذ تصاعد حرب غزة.
تحليلات صحفية أشارت إلى أن الفضيحة تمسّ صورة الجهاز أمام الرأى العام، وتطرح أسئلة عن كيفية تورط شخص بهذه الدرجة من القرب العائلى من رئيس الشاباك فى نشاط جرمى على هذا المستوى دون أن تُكتشف مبكرًا.
فى تقارير عربية، وُصف المشهد بأنه يكشف «ازدواجية» صارخة؛ فالمتهم كان – وفق بعض التعليقات – من الأصوات المحرِّضة ضد غزة و«لجنة إدارة القطاع»، وفى الوقت نفسه يستفيد ماديًا من استمرار الحصار وقنوات التهريب التى توفر له أرباحًا ضخمة.
داخل إسرائيل، نُقلت دعوات من بعض النواب لفتح تحقيقات أوسع تتجاوز المتهمين المباشرين، والتأكد من عدم وجود «حماية أو تغطية» من مسؤولين كبار أو غضّ للأبصار عن نشاط الشبكة بحكم طبيعة أسماء بعض أفرادها.
شبكة أوسع من شخص واحد… وماذا بعد لائحة الاتهام؟المعلومات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن القضية لا تتعلق ببتسلئيل زينى وحده، بل بشبكة كاملة تضم أكثر من 13 متهمًا، بينهم جنود احتياط وخدميون، وبعض من العاملين أو الوسطاء الذين سهّلوا إدخال البضائع وتوزيعها داخل غزة.
السلطات تتحدث عن أن نشاط التهريب بدأ فى صيف 2025، أى قبل وقف إطلاق النار المعلن فى أكتوبر، واستمر خلال فترة كانت فيها عمليات إدخال المساعدات نفسها تواجه عراقيل كبيرة، بينما تمكنت الشبكة من تمرير بضائع ربحية عالية.
لائحة الاتهام تشمل بنودًا ثقيلة، منها: «مساعدة العدو فى زمن الحرب»، و«إجراء صفقات لأغراض إرهابية»، و«الاحتيال فى ظروف مشددة»، و«تلقي رشاوى»، وهى تهم قد تقود إلى أحكام قاسية حال الإدانة.
محامى زينى ينفى حتى الآن ضلوعه فى التهريب، لكن حجم التفاصيل الواردة فى الوثائق القضائية، ووجود متهمين آخرين وشبكة واسعة، يعنى أن القضية ستظل مادة رئيسية للجدل السياسى والإعلامى داخل إسرائيل فى المرحلة المقبلة.
فى المحصلة، تبدو قصة القبض على شقيق رئيس «الشاباك» أثناء ملاحقة شبكة تهريب سجائر إلى غزة أكبر من مجرد فضيحة جنائية؛ فهى تكشف عن الوجه الخفى لـ«اقتصاد الحصار» وكيف يتحول إلى مصدر ثراء لفئات داخل المنظومة نفسها، فى الوقت الذى يُقدَّم فيه أمام العالم كأداة لخنق خصوم إسرائيل.










