بين الصراعات العسكرية والسيطرة على الموارد والتحالفات الإقليمية، ليبيا تغرق فى الفوضى والانقسامات؛ مما يزيد من هشاشة الدولة ويعمق الأزمة الإنسانية
برلين – المنشر_الاخباري
بعد 15 عامًا على سقوط نظام القذافي، ما زالت ليبيا غارقة في صراعات متعددة الأبعاد بين الشرق والغرب والجنوب، وسط تدخلات إقليمية ودولية متشابكة تزيد من هشاشة الدولة وتفاقم الأزمة الإنسانية.
الانقسام السياسي يمتد إلى الاقتصاد والأمن
منذ سقوط نظام القذافي في 2011، تعيش ليبيا حالة انقسام مستمرة على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية. ثلاث سلطات رئيسية تسيطر كل واحدة على مناطق محددة، ما جعل البلاد ساحة لتنافس نفوذ داخلي وإقليمي ودولي.
هذا الانقسام لا يقتصر على الصراع بين الفصائل المحلية، بل أصبح عامل جذب لتدخلات خارجية، حيث تسعى دول الجوار والفاعلون الإقليميون إلى دعم مختلف الأطراف لتعزيز مصالحهم، ما زاد من تعقيد المشهد السياسي وعمّق الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية.
الغرب: حكومة الوحدة الوطنية تحت وطأة التحديات
تتمركز حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي في طرابلس، وتسيطر على المناطق الساحلية الغربية وحقول النفط المهمة مثل مصراتة.
رغم هذه السيطرة النظرية، تواجه الحكومة قيودًا كبيرة على مستوى التمويل والقدرة العسكرية، وتعتمد بشكل فعلي على تحالفات مع ميليشيات طرابلس ووسط الغرب لضمان استمرار سيطرتها على الأرض.
الخبراء يشيرون إلى أن هذه التبعية للميليشيات تقوض سلطة الدولة المركزية وتضعف قدرة الحكومة على توحيد المؤسسات المدنية والعسكرية، مما يجعل إدارة البلاد أمراً معقدًا ومليئًا بالتحديات.
الشرق: نفوذ الجيش الوطني وسيطرة الموارد الحيوية
في الشرق، تتركز السلطة حول مدينة برقة وحقول النفط في بنغازي، وتخضع المنطقة للجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر، بدعم من البرلمان المقيم في طبرق.
السيطرة على الحقول النفطية، القوة العسكرية، والتحالف مع الميليشيات الموالية يمنح الشرق قدرة تفاوضية كبيرة، ويجعله لاعبًا رئيسيًا في أي حوار داخلي أو تدخلات إقليمية.
كما يضيف النفوذ الشرقي أبعادًا اقتصادية حاسمة، حيث يتم التحكم بالإيرادات النفطية، التي تُعد المصدر الرئيسي لتمويل القوات والميليشيات، وهو ما يزيد من قوة الشرق ويضعف قدرة الغرب على المناورة.
الجنوب: حراك فزان.. نقطة الصراع الاستراتيجية
الجنوب الليبي، المعروف بـ”حراك فزان”، هو أكثر المناطق هشاشة واستراتيجية في آن واحد، بسبب حدوده مع دول الساحل، موارده الطبيعية، وطرق التجارة الحيوية.
النفوذ في الجنوب موزع بين القبائل المحلية والميليشيات المسلحة، ويُعتبر ولاؤها متغيرًا حسب المصالح الاقتصادية والدعم العسكري المتاح من الشرق أو الغرب.
السيطرة على الجنوب تعد مفتاحًا لتأمين الموارد الطبيعية والتجارة العابرة، وهذا ما جعل المنطقة ساحة صراع مستمر بين القوى المختلفة، حيث يسعى كل طرف إلى فرض نفوذه السياسي والعسكري لتحقيق مكاسب اقتصادية واستراتيجية.
أدوات السيطرة والتحكم في النفوذ
تتنوع أدوات الهيمنة بين:
• القوة العسكرية المباشرة، من خلال تحركات الجيش والميليشيات.
• التمويل من الموارد الطبيعية، خصوصًا النفط والغاز.
• السيطرة على الموانئ والمطارات لضمان النقل واللوجستيات.
• الدعم الدولي والإقليمي عبر تحالفات سياسية وعسكرية.
كل سلطة تحاول تعزيز نفوذها عبر تمويل ميليشياتها وامتلاك الأسلحة الثقيلة وتأمين المناطق الحيوية، ما يجعل كل منطقة شبه مستقلة وذات قدرة تفاوضية في أي اتفاق سياسي أو تدخل خارجي.
معايير النفوذ والاستراتيجيات الإقليمية
المحللون يشيرون إلى أن السيطرة على الأراضي الغنية بالموارد، القوة العسكرية، التمويل، والدعم الإقليمي هي المعايير الأساسية التي تحدد قدرة كل سلطة على فرض نفوذها.
كما أن كل طرف يسعى لبناء تحالفات استراتيجية محلية ودولية لضمان استمرار هيمنته، مع التركيز على الاستفادة من الصراعات الداخلية لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية.
انعكاسات الانقسام على الدولة والأزمة الإنسانية
الانقسام المستمر يؤدي إلى:
• ضعف الدولة المركزية وصعوبة تطبيق إصلاحات شاملة.
• تحول ليبيا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي دائم.
• تفاقم الأزمة الإنسانية، بما يشمل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة ونقص الخدمات الأساسية.
ويحذر محللون من أن استمرار الانقسامات سيؤدي إلى استمرار ضعف الدولة، وتآكل مؤسساتها، وزيادة هشاشة الأمن والاستقرار الاقتصادي، ما يجعل أي تسوية سياسية طويلة الأمد أمرًا بعيد المنال في المستقبل القريب.










