طهران تراقب بقلق الحضور العسكري الأمريكي المكثف في المنطقة، وتدعو إلى الحذر من سيناريو الانتظار الطويل الذي قد يسبق الضربة المفاجئة
برلين – المنشر الإخباري
طهران بين الترقب العسكري وتكتيكات المفاوضات مع واشنطن .. ساعة الصفر تقترب
تعيش طهران حالة من التوتر الشديد في أعقاب المناورات الأمريكية المتواصلة في المنطقة، وسط مخاوف من تكرار سيناريو “حرب الـ12 يوماً” التي شهدتها في يونيو الماضي. فالقيادة الإيرانية تحاول الموازنة بين تعزيز قدراتها العسكرية، وتأمين برنامجها النووي، وإدارة التفاوض الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، في حين يبدو الوقت الطويل للانتظار الأمريكي بمثابة سيف ذو حدين.
رهانات طهران على الوقت والتأهب العسكري
تخشى أركان النظام الإيراني من مرحلة “الانتظار القاتل”، التي تعمل، وفق خبراء محليين ودوليين، على استنزاف القدرات العسكرية الإيرانية مع مرور الأيام والأسابيع. هذا الترقب يصاحبه وجود كثيف للقوات الأمريكية في المياه الإقليمية، بالإضافة إلى تزايد المعدات الجوية والطائرات المنتشرة في المنطقة، وهو ما يثير خشية الإيرانيين من توجيه ضربة مفاجئة قد تصيب مواقع استراتيجية، بما في ذلك المنشآت النووية الحساسة.
من جانب آخر، يرى الخبراء أن عامل الوقت قد يكون فرصة لتطوير منظومة الصواريخ الإيرانية، أو نقل مخزون اليورانيوم المخصب إلى مواقع أكثر أمانًا بعيدة عن أعين الاستخبارات الأجنبية، بما يعزز القدرة الدفاعية ويقلل من أثر أي ضربة محتملة.
مراجعة “حرب الـ12 يوماً” وخطورة التفاوض الطويل
السلطات الإيرانية تراجع بدقة ما حدث في حرب يونيو 2025، عندما تبدلت التهديدات الميدانية إلى مسار تفاوضي مفاجئ، وسط ضربات دقيقة دمرت جزءاً كبيراً من برنامج إيران النووي. ويقول خبراء إن هذه التجربة أكدت لطهران أن الانتظار الطويل قد يقود في النهاية إلى استنزاف الموارد، خصوصاً إذا ترافق مع ضغط سياسي ودبلوماسي واقتصادي متواصل.
اللواء عبد الرحيم موسوي، رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، أكد أن طهران تمتلك الاستعداد الكامل لخوض مواجهة طويلة الأمد إذا لزم الأمر، مشددًا في الوقت نفسه على أن البلاد لا ترغب في تصعيد الحرب بشكل مباشر، وإنما تسعى للحفاظ على قوتها واستقرارها، مع الحفاظ على إمكانية التفاوض المنطقي.
تحركات واشنطن والاستراتيجية الأمريكية
في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة ما وصفه خبراء إيرانيون بـ”انتظار طويل مدروس”، ضمن استراتيجية مزدوجة: تعزيز التفكك الداخلي للنظام الإيراني، وتأمين إسرائيل من أي رد محتمل. ويشير الدكتور طاهر أبو نضال، مختص في الشأن الإيراني، إلى أن الهدف من هذا الانتظار هو ترك النظام في حالة حيرة مستمرة حول توقيت ومكان الضربة الأمريكية، مع استغلال أي انقسامات داخلية لتخفيف أي رد فعل محتمل.
وبينما يحاول الأمريكيون تركيز الضغط على النظام اقتصادياً وسياسياً، يواصلون أيضاً فرض عقوبات على كيانات وشخصيات محددة، بما يعكس رغبتهم في إحكام الخناق على القيادة الإيرانية وتقليص قدرتها على المناورة.
الضربة المفاجئة والتجربة السابقة
الباحث أحمد العلوي يرى أن الضربة المفاجئة التي حدثت في حرب الـ12 يوماً تركت أثرًا نفسيًا عميقًا في طهران، حيث تم التخطيط مسبقًا لعقد مفاوضات دبلوماسية، وكانت الضربة بمثابة مفاجأة حقيقية للنظام. ويشير العلوي إلى أن هذه التجربة علمت القيادة الإيرانية أن الولايات المتحدة قادرة على مزج سياسة الانتظار مع التخطيط العسكري، مما يجعل أي تحرك مفاجئ أكثر فاعلية.
ضغوط داخلية وخطط احتياطية
وسط هذه التحديات، تواجه إيران ضغوطًا داخلية من قيادات وأجنحة مختلفة في النظام، بعضها يتخوف من المفاوضات الطويلة، وبعضها يرى أن الوقت الطويل فرصة لتأمين البرنامج النووي والصواريخ. ويضيف العلوي أن النظام الإيراني يحاول “لملمة” أي احتجاجات متفرقة، فيما يفرض الانتظار الطويل توترًا إضافيًا على السلطة، ويزيد من إحساس القلق لدى المسؤولين.
إيران والخيارات المستقبلية
يعتبر الخبراء أن إيران تسعى لاستغلال هذا الوقت الطويل لأسباب عدة: تطوير قدراتها العسكرية، نقل اليورانيوم المخصب، ومراقبة تطورات المشهد السياسي الدولي، خصوصاً مع توقع الانتخابات الأمريكية المقبلة وتأثيرها على السياسات تجاه إيران. ويؤكدون أن طهران تسعى لتحقيق أقصى استفادة من هذا المدى الزمني لزيادة جاهزيتها الدفاعية، مع محاولة تجنب أي صدام مباشر قد يكون مدمراً لبرنامجها النووي أو لمصالحها الإقليمية.
في ظل هذا المزيج المعقد من التحركات العسكرية الأمريكية، والضغط الداخلي، والتحديات الدبلوماسية، تبدو طهران في حالة تأهب قصوى. الخبراء يرون أن أي تقييم خاطئ للوقت أو للنية الأمريكية قد يكون مكلفًا، بينما أي استخدام استراتيجي للزمن من قبل إيران قد يمنحها هامشًا أكبر للحماية والتفاوض. وما بين “الانتظار القاتل” و”المفاجأة العسكرية”، يبقى الوضع الإيراني الأمريكي في المنطقة على صفيح ساخن، مع احتمال استمرار التوتر لفترة طويلة.










