شهدت أسواق الذهب في العراق خلال الأسابيع الأخيرة قفزة غير مسبوقة، بعدما اخترق سعر المثقال عيار 21 حاجز المليون دينار لأول مرة في تاريخ السوق المحلي، ما أثار حالة من القلق والترقب بين المتعاملين والعائلات التي اعتادت الاعتماد على الذهب كملاذ ادخاري تقليدي.
هذا الارتفاع القياسي يتزامن مع موجة صعود عالمية في أسعار المعدن الأصفر، وتقلّبات في سعر صرف الدولار، ما انعكس مباشرة على قوائم الأسعار في بغداد وأربيل وباقي المحافظات العراقية.
قفزة تاريخية في الأسعارفي الأسواق المحلية، سجّل مثقال الذهب الأجنبي عيار 21 من الخليجي والتركي والأوروبي مستويات تجاوزت المليون دينار للبيع، حيث أعلنت مراكز الصياغة عن أسعار في حدود مليون و25 ألف دينار للمثقال، مع عروض شراء تدور حول مليون و16 ألف دينار.
أما الذهب العراقي عيار 21 فاقترب بدوره من هذه العتبة، إذ بلغ في إحدى الجلسات نحو 990 ألف دينار للبيع و986 ألفاً للشراء، قبل أن تواصل الأسعار مسارها التصاعدي وتكسر حاجز المليون في تداولات لاحقة.
وفي شارع النهر، أحد أهم مراكز تجارة الذهب في بغداد، سجّل مثقال الذهب العراقي عيار 21 أرقاماً وصلت إلى نحو 1.075 مليون دينار للبيع و1.071 مليون دينار للشراء، في حين تراوحت أسعار المثقال الخليجي بين 1.105 و1.115 مليون دينار وفقاً لآخر نشرات ميدانية.
هذا الارتفاع لم يقتصر على بغداد، إذ لحقت أسواق أربيل بالاتجاه الصعودي؛ حيث بلغ سعر عيار 22 هناك حوالي 1.178 مليون دينار للمثقال، وعيار 21 نحو 1.125 مليون دينار، بينما وصل عيار 18 إلى قرابة 965 ألف دينار، ما يعكس موجة غلاء شاملة لمختلف العيارات والمنتجات الذهبية.
ارتباط مباشر بالسوق العالمية والدولار
خبراء المال يشيرون إلى أن قفزة الذهب في العراق ليست منفصلة عن المشهد العالمي؛ فأسعار الأونصة دولياً سجّلت على مدار الشهور الماضية مستويات مرتفعة، دفعت كثيراً من المستثمرين نحو المعدن الأصفر تحوّطاً من التضخم وعدم اليقين الاقتصادي.
وفي الداخل العراقي، يتداخل تأثير السوق العالمية مع حركة سعر صرف الدولار في البورصات المحلية، الأمر الذي يجعل أسعار الذهب أكثر حساسية لأي تغيّر، ولو محدود، في سعر العملة الصعبة.
وتُظهر بيانات منصات تسعير الذهب أن أونصة الذهب في العراق تتداول حالياً بمستويات تتجاوز ستة ملايين دينار، مع تحديث لحظي للأسعار يعكس الفارق بين السعر العالمي وسوق الجملة في البلاد.
ويؤكد متابعون أن أي ارتفاع إضافي في الأونصة فوق مستويات نفسية معينة قد يدفع مثقال الذهب في السوق العراقية إلى قفزات جديدة، ما لم تتدخل عوامل معاكسة مثل تراجع الدولار أو هدوء موجة الطلب.
ضغط على القدرة الشرائية للعائلات
تاريخياً، اعتادت العائلات العراقية على اقتناء الذهب في مناسبات الزواج والادخار طويل الأمد، باعتباره «خزنة آمنة» يمكن الرجوع إليها في أوقات الأزمات.
لكن تخطي المثقال حاجز المليون دينار يضع هذه العادة الاجتماعية تحت اختبار صعب، إذ بات شراء مجموعة بسيطة من القطع الذهبية يستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة المتوسطة.
شهادات متعاملين في أسواق بغداد وأربيل تشير إلى تراجع واضح في كميات الشراء لصالح عمليات بيع محدودة تهدف إلى جني الأرباح أو توفير سيولة لتغطية نفقات أخرى، فيما يؤكد بعض الصاغة أن حركة السوق باتت أقرب إلى «المراقبة والترقب» منها إلى نشاط بيع وشراء اعتيادي.
ويرى اقتصاديون أن استمرار الأسعار فوق المليون دينار للمثقال لفترة طويلة قد يدفع العائلات إلى البحث عن بدائل ادخارية أقل تكلفة، مثل العملات الأجنبية أو الودائع المصرفية، رغم التردد المرتبط بتقلبات هذه الأدوات أيضاً.
مخاوف من مزيد من الصعود
التقارير اليومية لتجار الجملة تفيد بأن المنحنى العام للذهب ما زال يميل إلى الصعود، في ظل عدم ظهور مؤشرات قوية على هبوط حاد في الأفق القريب.
ورغم تسجيل بعض الجلسات حركات تصحيحية بسيطة في الأسعار، فإنها لم تكن كافية لإعادة المثقال إلى ما دون المليون دينار لفترة مستقرة، بل سرعان ما تعود الأرقام إلى مستوياتها المرتفعة مع أي موجة طلب جديدة أو تحرك في الدولار.
محللون فنيون يشيرون إلى أن السوق قد تتحرك ضمن نطاقات سعرية واسعة، مع بقاء الذهب في خانة الأصول المرغوبة لدى المستثمرين، ما يعني احتمال استمرار الضغوط على المستهلك النهائي لفترة أطول.
وفي ظل هذه الأجواء، تنتشر بين المواطنين تساؤلات حول ما إذا كان الوقت مناسباً للشراء قبل صعود جديد، أم أن الأفضل الانتظار أملاً في تراجع يخفف وطأة الأسعار.
نصائح وتحذيرات للمتعاملين
في مواجهة هذه التقلبات، يدعو خبراء الاقتصاد إلى عدم الاندفاع وراء موجة الشراء بدافع الخوف من ضياع الفرصة، مؤكدين أن الاستثمار في الذهب يجب أن يكون جزءاً من خطة مالية مدروسة وليس ردة فعل لحظية.
كما ينصحون بمتابعة أسعار الذهب من مصادر موثوقة، ورصد الفارق بين سعر الجملة وسعر محال الصاغة، إذ يمكن لفوارق المصنعية والعمولات أن تزيد العبء على المشتري بشكل ملحوظ.
توصيات أخرى تشدد على ضرورة تنويع أدوات الادخار قدر الإمكان، وعدم ربط مدخرات الأسرة بالكامل بسوق واحدة متقلبة، سواء كانت الذهب أو العملات الأجنبية، حفاظاً على قدر من التوازن والأمان المالي.
وبينما يترقب العراقيون ما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تحركات في أسعار الذهب والدولار، يبقى المثقال الذي تجاوز المليون دينار رمزاً صارخاً لتحولات اقتصادية واجتماعية تتجاوز بريق المعدن الأصفر إلى عمق الحياة اليومية للمواطن.








