بعد اغتيال سيف الإسلام… هل يصبح محمد القذافي “حارس التركة” من منفاه في عُمان؟
في المشهد الليبي المربك بعد أكثر من 14 عامًا على سقوط نظام معمر القذافي، يعود اسم محمد معمر القذافي؛ الابن الأكبر للعقيد، إلى الواجهة بهدوء، ومن خلف ستار المنفى، مع تصاعد الأسئلة حول دور عائلته بعد اغتيال شقيقه سيف الإسلام في الزنتان مطلع فبراير 2026.
ورغم أنه الأقل ظهورًا والأبعد عن الأضواء بين إخوته، فإن موقعه العائلي، ونجاته من السجن والاغتيال، يجعلان اسمه جزءًا من أي حديث عن “سلالة القذافي” ومستقبل نفوذها في ليبيا.
من هو محمد معمر القذافي؟
محمد معمر القذافي من مواليد 25 نوفمبر 1969، وهو الابن الأكبر لمعمر القذافي من زوجته الأولى فتحية خالد، قبل أن ينفصل عنها ويتزوج صفية فركاش التي أنجبت بقية الأبناء المعروفين في المشهد العام.
شغل محمد منصب رئيس اللجنة الأولمبية الليبية، كما تولى أمانة الهيئة العامة للاتصالات التي أشرفت على شركتي الهاتف المحمول “المدار الجديد” و”ليبيانا”، ما جعله ممسكًا بواحد من أهم مفاصل الاقتصاد والخدمات في ليبيا قبل 2011.
على عكس معظم إخوته، لا يحمل محمد صفة عسكرية أو أمنية معروفة، إذ يُقدَّم في المصادر كمهندس ورجل إدارة، وليس كقائد كتيبة أو مسؤول أمني.
هذا الطابع “المدني” نسبيًا ميّزه عن سيف الإسلام، خميس، المعتصم وهانيبال، الذين ارتبطت أسماؤهم مباشرة بالملف الأمني والعسكري للنظام.
ومع ذلك، ظل جزءًا من بنية السلطة العائلية التي حكمت ليبيا لأكثر من أربعة عقود، واستفاد من نفوذها الاقتصادي والسياسي.
من الثورة إلى المنفى: رحلة هروب محسوبة
مع اندلاع ثورة 17 فبراير 2011 وتحوّلها إلى صراع مسلح، سقط النظام وتفرّقت العائلة بين القتل والأسر والمنفى، بينما اختار محمد طريق الهروب السريع خارج ليبيا.
تقارير عديدة تشير إلى أنه خرج في 2011 إلى الجزائر مع بعض أفراد العائلة، قبل أن ينتهي به المطاف لاجئًا سياسيًا في سلطنة عُمان عام 2013 وفق مصادر صحفية ودبلوماسية متقاطعة.
موقع إخباري عربي رصد أن محمد يقيم حاليًا في سلطنة عُمان التي منحته اللجوء السياسي، بعيدًا عن الملاحقات المباشرة، في وقت بقيت فيه الشكوك لفترة طويلة حول مصيره بين من قال بمقتله خلال أحداث 2011 ومن رجّح هروبه إلى الجزائر ثم إلى الخليج.
وتذهب بعض الروايات إلى أنه يعيش حياة هادئة، أشبه بحياة رجل أعمال متقاعد، بعيدًا عن أي نشاط سياسي علني أو ظهور إعلامي، في محاولة واضحة لتجنّب الاصطدام بالمعادلات الليبية المعقدة.
محمد بعد اغتيال سيف الإسلام: صمت ثقيل
اغتيال سيف الإسلام القذافي في هجوم مسلح استهدف منزله في مدينة الزنتان، حيث أطلق المهاجمون عشرات الطلقات بعد تعطيل كاميرات المراقبة، شكّل ضربة قاسية لأنصار النظام السابق الذين كانوا ينظرون إليه كأبرز “رمز سياسي” يمكن أن يعود إلى الواجهة.
هذا الاغتيال أعاد فتح ملف بقية أبناء القذافي، وعلى رأسهم محمد، بوصفه الابن الأكبر والأكثر ابتعادًا عن الصدام المباشر مع الثورة والسلاح.
مصادر إعلامية عربية أشارت إلى أن الحديث عن “وريث سياسي” جديد للعائلة داخل ليبيا يبدو ضعيفًا في حالة محمد، لأن الرجل لم يرتبط بخطاب سياسي، ولا كوّن قاعدة قبلية أو شعبية معلنة مثل أخيه سيف الإسلام.
ومع ذلك، برز اسمه مؤخرًا في سياق عائلي بحت عندما نُقل عن حسابات وشخصيات قريبة من العائلة أنه أعلن – أو نُسب إليه الإعلان – عن مكان وموعد دفن سيف الإسلام القذافي، في إشارة إلى أنه لا يزال المرجعية الأولى داخل الأسرة ترتيبًا وسنًا.
صورة “مدني” في عائلة عسكرية
اللافت في سيرة محمد أنه ظل بعيدًا عن ملفات القمع والحرب والكتائب المسلحة التي ارتبطت مباشرة بإخوته، وهو ما جعله في كثير من التقارير “أقل الأبناء تورطًا” في الانتهاكات التي نُسبت للنظام.
لم تصدر بحقه مذكرات توقيف دولية أو قضايا كبيرة أمام المحكمة الجنائية الدولية، بخلاف سيف الإسلام الذي طاردته مذكرة من المحكمة، وهانيبال الذي تورط في ملفات قضائية معقّدة خارج ليبيا.
إلا أن هذا لا يخرجه بالكامل من دائرة المساءلة في عيون معارضي النظام، الذين يعتبرون أن كل أبناء القذافي كانوا جزءًا من منظومة احتكرت الثروة والسلطة، واستفادت من دولة بنيت على حكم الفرد والعائلة.
ويضيف منتقدون أن إدارة ملف الاتصالات والرياضة في دولة شمولية لا يعني بالضرورة البراءة السياسية، بقدر ما يكشف عن توزيع أدوار داخل عائلة تحكم كل مفاصل الدولة.
سيناريوهات الدور القادم: عودة مستبعدة وحضور من بعيدفي ضوء الانقسام الحاد في ليبيا، وتعدد الحكومات والميليشيات، ووجود إرث مثقل بالدماء والفساد مرتبط باسم القذافي، يبدو سيناريو عودة محمد شخصيًا إلى ليبيا للعب دور سياسي مباشر ضعيف الاحتمال في المدى المنظور.
فالرجل تجاوز منتصف العمر، يعيش حياة مستقرة نسبيًا في المنفى، ولا يمتلك – حتى الآن – خطابًا سياسيًا أو مشروعًا معلنًا، كما أن أي عودة ستكون محفوفة بمخاطر انتقامية وقانونية وقبلية.
السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار محمد في لعب دور “منسّق العائلة” من الخارج، يضبط إيقاع تحركات أفرادها، ويهتم بما تبقى من مصالحها الاقتصادية والشبكات التي تشكّلت خلال عقود من حكم والده.
وفي المقابل، سيستمر خصوم النظام السابق في استثمار اسم العائلة كـ“فزاعة سياسية” كلما طُرحت مبادرات للمصالحة أو لعودة رموز من النظام السابق إلى المشهد، ليبقى محمد حاضرًا بالاسم، غائبًا بالجسد، في معادلة ليبيا الجديدة.










