صفية فركاش، أرملة الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي والملقبة بـ «خنساء ليبيا»، عادت إلى واجهة الأحداث مجددًا بعد مقتل نجلها سيف الإسلام في عملية اغتيال نفذتها مجموعة مسلحة، لتتجدد فصول مأساة عائلة حكمت ليبيا لأكثر من أربعة عقود ثم تفرقت بها المنافي والصراعات.
وبين شائعات الوفاة، وقرارات أممية برفع حظر السفر عنها، وتنقلها الهادئ بين القاهرة ومسقط، تواصل صفية حياة بعيدة عن الأضواء لكنها ملتصقة بملف معقد اسمه: إرث القذافي.
من هي صفية فركاش «خنساء ليبيا»؟
وُلدت صفية فركاش في مدينة البيضاء بشرق ليبيا، وعملت ممرضة قبل أن تتزوج معمر القذافي في مطلع السبعينيات، لتتحول سريعًا إلى السيدة الأولى في بلد يحكمه زوجها بقبضة حديدية.
أنجبت من القذافي سبعة أبناء ذكور وابنة واحدة هي عائشة، أبرزهم سيف الإسلام، الساعدي، المعتصم، هانيبال، خميس، وسيف العرب، وقد قُتل ثلاثة منهم خلال أحداث 2011 (المعتصم، خميس، وسيف العرب).
مع مرور السنوات، اكتسبت صفية لقب “خنساء ليبيا” في الإعلام الموالي للنظام، في إحالة إلى المرأة التي فقدت أبناءها في الحروب، خاصة بعد مقتل عدد من أبنائها في قصف ومعارك أثناء الثورة والحرب الأهلية.
لكن معارضي النظام يرون أن هذا اللقب يغطي على دورها كجزء من منظومة حكم عائلية استفادت من السلطة والثروة، فيما ظل الليبيون يعيشون تحت الاستبداد والصراعات.
من طرابلس إلى الجزائر… ثم القاهرة ومسقط
عقب سقوط طرابلس في يد قوات المعارضة في أغسطس 2011، غادرت صفية فركاش ليبيا برفقة ابنتها عائشة وابنها هانيبال، إضافة إلى محمد (ابن القذافي من زوجته الأولى)، ولجؤوا إلى الجزائر التي أعلنت رسميًا استقبالهم “لدواعٍ إنسانية”.
وبعد فترة، كشفت مصادر ليبية ودولية أن العائلة غادرت الجزائر إلى سلطنة عمان، حيث مُنحت اللجوء السياسي بشروط، أبرزها عدم ممارسة أي نشاط سياسي أو إعلامي ضد ليبيا.
تقارير متعددة أشارت إلى أن صفية تقيم بين مسقط والقاهرة، في حياة يغلب عليها الطابع العائلي والابتعاد عن الكاميرات، مع استمرار تكهنات حول حجم الأموال والأصول الموجودة تحت سيطرتها أو باسم أفراد من العائلة في الخارج.
هذه الحياة الهادئة الظاهرية لا تلغي أنها ما زالت إحدى أكثر الشخصيات ارتباطًا بملف الأموال المجمدة وعقوبات مجلس الأمن المفروضة على رموز النظام السابق.
شائعات وفاة… ونفي وتأكيد على حضورها
في يوليو 2025، انتشرت على نطاق واسع شائعات تحدثت عن وفاة صفية فركاش عن عمر ناهز 73 عامًا، قيل إنها نتيجة مضاعفات إصابتها بفيروس كورونا، ما أثار موجة جدل وتعليقات بين أنصار النظام السابق وخصومه.
لكن مصادر قريبة من عائلة القذافي سارعت إلى نفي هذه الأنباء، مؤكدة أنها على قيد الحياة وتتمتع بصحة جيدة، وتعيش “حياة طبيعية” بين القاهرة ومسقط رغم القيود المفروضة على نشاطها وتحركاتها.
هذه ليست المرة الأولى التي تلاحق فيها شائعات الموت صفية، إذ اعتادت وسائل التواصل تداول أخبار مشابهة منذ سنوات، في ظل قلة ظهورها العلني وغياب أي تواصل مباشر بينها وبين الرأي العام الليبي أو وسائل الإعلام.
اللافت أن هذه الشائعات غالبًا ما تتزامن مع تطورات تخص عائلة القذافي، كقضايا أبنائها أو قرارات دولية متعلقة بالعقوبات، ما يعكس استمرار حضور اسمها في الذاكرة السياسية رغم غيابها الفيزيائي.
قرارات دولية: رفع حظر السفر واستمرار تجميد الأصولمنعها اسمها ودورها السابق من الإفلات تمامًا من رادار المجتمع الدولي، إذ فُرض على صفية فركاش حظر سفر ضمن عقوبات مجلس الأمن على رموز نظام القذافي عام 2011.
وبعد مراجعات دورية لقائمة العقوبات، قرر مجلس الأمن في فبراير 2024 رفع حظر السفر عنها بشكل نهائي، في خطوة اعتُبرت حينها إشارة إلى تخفيف تدريجي للضغوط على بعض أفراد العائلة.
ورغم هذا التطور، فإن تجميد أصولها المالية لا يزال مستمرًا، في انتظار تسوية قانونية أو تفاهم سياسي أوسع بشأن أموال وأسهم واستثمارات مرتبطة بالنظام السابق.
هذا التناقض بين حرية الحركة المقيدة جزئيًا، واستمرار تجميد الأموال، جعل صفية في نظر كثيرين “شاهدة صامتة” على مرحلة من فساد الثروة والسلطة، لم تُفتح ملفاتها حتى الآن بشكل كامل أمام الرأي العام.
بعد اغتيال سيف الإسلام: فاجعة جديدة وتوازنات داخليةمقتل سيف الإسلام القذافي في عملية وُصفت بأنها “كوماندوز غامضة” في مدينة الزنتان، مثّل ضربة جديدة وقاسية لصفية فركاش التي فقدت قبل ذلك ثلاثة من أبنائها خلال أحداث 2011.
تقارير إعلامية أشارت إلى أن العائلة استُدعيت لحضور جنازته في طرابلس بتنسيق مع حكومة الوحدة الوطنية، وأن صفية قد تُنقل من القاهرة أو مسقط إلى ليبيا للمشاركة في التشييع، وإن لم تؤكد مصادر مستقلة تنفيذ هذه الخطوة فعليًا حتى الآن.
اغتيال سيف الإسلام، الذي كان يعوَّل عليه جزء من أنصار النظام السابق كـ“واجهة سياسية” محتملة في أي تسوية قادمة، يضع صفية أمام واقع جديد داخل العائلة، حيث تتراجع رمزية الأبناء الذكور الفاعلين سياسيًا، مقابل استمرار حضورها هي كرمز عاطفي وتاريخي لما تبقى من إرث القذافي.
في هذا السياق، يكثر الحديث عن دورها في لمّ شمل الأبناء والأحفاد في الخارج، وضبط التوازنات بين محمد، والساعدي، وهانيبال، وعائشة، في ظل تباين مواقفهم من العودة إلى ليبيا أو البقاء في المنفى.
بين ذاكرة الليبيين ومستقبل المصالحة
في الذاكرة الليبية، تظل صفية فركاش جزءًا أساسيًا من صورة النظام السابق: زوجة الزعيم، وأم الأبناء الذين تولوا مناصب عسكرية وأمنية وسياسية، وشريكة في حياة الرفاه التي عاشتها العائلة بينما عانى الليبيون من القمع والعزلة الدولية والحروب.
وفي المقابل، يراها أنصار القذافي أمًّا مكلومة فقدت زوجها وثلاثة من أبنائها وتلاحقها العقوبات والتجميد وشائعات الموت، ويعتبرون أن ما تتعرض له استمرار لـ“استهداف” العائلة حتى بعد سقوط النظام.
بين هذين التصورين، تقف صفية اليوم عند تقاطع أسئلة صعبة: هل ستُفتح ملفات مالية وسياسية قديمة تكشف مزيدًا من التفاصيل عن دورها الحقيقي داخل منظومة الحكم؟ أم أن صفحة “خنساء ليبيا” ستُطوى بهدوء في منافي القاهرة ومسقط دون اعتراف ولا محاسبة، تاركة الليبيين وجهاً لوجه مع ذاكرة لم تُكتب فصولها الأخيرة بعد؟











