اجتماع لقادة الجيوش من ٣٤ دولة في واشنطن يعكس تحولاً جذرياً في العقيدة العسكرية الأمريكية وإعادة ترتيب ساحات النفوذ العالمي.
واشنطن – المنشر الإخبارى
اجتماع عسكري غير مسبوق في البنتاغون يضم قادة جيوش عشرات الدول، وسط تحولات استراتيجية في أولويات واشنطن الأمنية وتصاعد التوترات الدولية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول تحالفات جديدة وتوازنات قوى يعاد رسمها خلف الكواليس.
في خطوة لافتة تعكس تحوّلًا واضحًا في العقيدة العسكرية الأمريكية، استضافت واشنطن، الأربعاء، اجتماعًا غير مسبوق لقادة جيوش دول الغرب، هو الأول من نوعه من حيث الحجم والطابع السياسي-الأمني، بمشاركة كبار القادة العسكريين من 34 دولة.
وبحسب ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين في وزارة الدفاع الأمريكية، فإن الاجتماع عُقد بدعوة مباشرة من رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، وجرى داخل أروقة البنتاغون، وسط إجراءات أمنية مشددة ونقاشات مغلقة وُصفت بـ«الحساسة».
تحول في البوصلة العسكرية الأمريكية
اللافت في الاجتماع أنه جاء ليؤكد إعادة ترتيب أولويات واشنطن الدفاعية، حيث شدد الجنرال كين على أن الاستراتيجية الجديدة للإدارة الأمريكية تمنح أولوية قصوى لمنطقة الغرب، على حساب ملفات كانت تتصدر المشهد سابقًا في آسيا والشرق الأوسط.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس قناعة متزايدة داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية بأن التهديدات القادمة من الجوار الجغرافي والسياسي باتت أكثر إلحاحًا، سواء عبر الجريمة المنظمة العابرة للحدود، أو تصاعد نفوذ قوى منافسة داخل المجال الحيوي التقليدي للولايات المتحدة.
مكافحة المخدرات… العنوان العلني
وخلال الاجتماع، دعا الجنرال فرانسيس إل. دونوفان، القائد الجديد للقيادة الجنوبية الأمريكية، إلى توسيع التنسيق العسكري والأمني بين دول الغرب لمواجهة شبكات تهريب المخدرات والجماعات الإجرامية المنظمة، التي وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها «إرهاب غير تقليدي يهدد الأمن القومي».
وقال جوزيف إم. هيومير، القائم بأعمال مساعد وزير الدفاع لشؤون الدفاع الداخلي والغرب، إن الولايات المتحدة «في وضع هجومي» ضد ما أسماه «إرهابيي المخدرات»، في إشارة إلى تحول من سياسات الاحتواء إلى المواجهة المباشرة.
ما وراء الكواليس: رسائل سياسية مشفّرة
ورغم الطابع الأمني المعلن، يرى محللون أن الاجتماع يحمل رسائل سياسية أعمق، خاصة في ظل التوترات الأخيرة مع فنزويلا، والجدل المتصاعد مع الحلفاء الأوروبيين حول قضايا السيادة والنفوذ، وعلى رأسها ملف غرينلاند.
كما يتزامن اللقاء مع زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه بالرئيس دونالد ترامب، حيث تتصدر المفاوضات مع إيران جدول الأعمال، ما يعزز فرضية أن الاجتماع العسكري لا ينفصل عن إعادة صياغة شاملة لمعادلات الردع والتحالفات.
عودة «مبدأ مونرو» بثوب جديد
وتشير مصادر مطلعة إلى أن الاجتماع يعكس تطبيقًا عمليًا لما بات يُعرف بـ«عقيدة دونرو»، وهي إعادة صياغة حديثة لمبدأ مونرو التاريخي (1823)، الذي كرس الهيمنة الأمريكية على الغرب، ولكن هذه المرة بأسلوب عسكري-أمني أكثر صراحة وأقل دبلوماسية.
هل نحن أمام مرحلة جديدة؟
يطرح هذا التحرك أسئلة جوهرية حول مستقبل النظام الأمني العالمي:
هل تعيد واشنطن تركيز ثقلها العسكري تمهيدًا لمواجهة طويلة الأمد داخل الغرب؟
وهل يشكل هذا الاجتماع نواة لتحالف عسكري أكثر صلابة، أم بداية لاصطفافات قد تجر العالم إلى مرحلة جديدة من الاستقطاب والصدام؟
في كل الأحوال، يبدو أن ما جرى في واشنطن لم يكن مجرد اجتماع عابر، بل مؤشرًا واضحًا على أن خريطة الأمن العالمي دخلت طور إعادة الرسم… وبقلم أمريكي هذه المرة بلا مواربة.










