بين التدريب العسكري وحسابات النفوذ… ما الذي تريده واشنطن فعليًا من الجيش الليبي
طرابلس- المنشر الإخباري
لا يبدو اللقاء الذي جمع رئيس أركان الجيش الليبي بنائب قائد القيادة العسكرية الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل يأتي كحلقة جديدة في مسار أميركي متدرّج لإعادة التموضع داخل ليبيا، بعد سنوات من الانكفاء النسبي والمراقبة من الخلف. فالتوقيت، والمستوى العسكري، ولغة البيانات الصادرة، جميعها تشير إلى أن واشنطن ترى في المرحلة الحالية نافذة استراتيجية نادرة لإعادة تثبيت نفوذها في بلد لم يخرج بعد من دوامة الانقسام والفوضى.
أولًا: لماذا الآن؟ تحوّل في ميزان القوى
الاهتمام الأميركي المتجدد بليبيا يرتبط مباشرة بتغيّر موازين القوى في شرق المتوسط والساحل الإفريقي. خلال الأعوام الماضية، ترك الفراغ الأميركي المجال مفتوحًا أمام لاعبين آخرين:
• روسيا، عبر أدوات أمنية وعسكرية غير تقليدية
• تركيا، من خلال اتفاقيات عسكرية وبحرية مباشرة
• قوى إقليمية لعبت أدوارًا متباينة في الشرق والغرب
هذا الواقع فرض على واشنطن مراجعة مقاربتها. فليبيا، بما تمتلكه من موقع جغرافي استثنائي وثروات طاقوية ضخمة وحدود رخوة تمتد آلاف الكيلومترات، لم تعد ساحة يمكن تركها لتوازنات الآخرين.
ثانيًا: الجيش الليبي بوصفه “نقطة الدخول”
اختيار واشنطن التركيز على المؤسسة العسكرية ليس اعتباطيًا. فالمسار السياسي الليبي لا يزال هشًا، والرهان على النخب المدنية وحدها أثبت محدوديته. لذلك، ترى الولايات المتحدة أن إعادة تشكيل الجيش تمثل مدخلًا عمليًا لإعادة ضبط المشهد الأمني، ولو تدريجيًا.
الحديث الأميركي عن التدريب ورفع الجاهزية وتوحيد المعايير يخفي في جوهره رغبة في:
• التأثير على بنية القرار العسكري
• خلق شبكة علاقات طويلة الأمد مع الضباط
• ضمان توافق المؤسسة العسكرية مع الرؤية الغربية للأمن والاستقرار
لكن هذا الطموح يصطدم بواقع ليبي معقّد، حيث لا تزال الانقسامات العسكرية قائمة، والولاءات موزعة، والشرعية موضع نزاع.
ثالثًا: مواجهة النفوذ الروسي دون مواجهة مباشرة
أحد الأهداف غير المعلنة للتحرك الأميركي هو تحجيم الدور الروسي في ليبيا دون الانزلاق إلى صدام مفتوح. فواشنطن تدرك أن المواجهة المباشرة قد تؤدي إلى تصعيد غير محسوب، لذلك تعتمد سياسة أكثر نعومة تقوم على:
• تقديم بدائل تدريبية وتقنية
• دعم الهياكل الرسمية بدل الكيانات الموازية
• تعزيز حضور أفريكوم كمرجعية أمنية
بهذا الأسلوب، تسعى الولايات المتحدة إلى سحب البساط تدريجيًا من تحت أقدام موسكو، لا عبر القوة، بل عبر النفوذ المؤسسي.
رابعًا: ليبيا في قلب معادلة الهجرة والطاقة
لا تنفصل الحسابات الأمنية الأميركية عن ملفي الهجرة والطاقة. فليبيا تمثل:
• نقطة عبور رئيسية للمهاجرين نحو أوروبا
• أحد أكبر احتياطيات النفط في إفريقيا
• موردًا محتملًا لتعويض اضطرابات الطاقة العالمية
من هذا المنطلق، ترى واشنطن أن دعم الاستقرار الأمني في ليبيا يخدم شركاءها الأوروبيين، ويحدّ من الأزمات التي قد تنعكس على الضفة الشمالية للمتوسط.
خامسًا: الجنوب الليبي… الساحة الأخطر
التركيز الأميركي على بناء قدرات الجيش يتقاطع مع القلق المتزايد من الجنوب الليبي، حيث تتداخل:
• شبكات تهريب
• جماعات مسلحة عابرة للحدود
• فراغ أمني مزمن
واشنطن تدرك أن أي انفلات في هذه المنطقة قد يحول ليبيا إلى منصة تهديد إقليمي تمتد تداعياتها إلى الساحل الإفريقي، حيث تتراجع السيطرة الغربية وتتقدم قوى منافسة.
سادسًا: أفريكوم وإعادة الانتشار الإفريقي
التحرك في ليبيا يندرج ضمن سياق أوسع لإعادة انتشار أفريكوم في القارة الإفريقية، بعد تراجع النفوذ الفرنسي في مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وفي هذا الإطار، تبدو ليبيا خيارًا مناسبًا لواشنطن:
• موقع استراتيجي
• انقسام سياسي يسمح بهوامش مناورة
• حاجة محلية للدعم الأمني
غير أن هذا الرهان يحمل مخاطره، إذ قد يُنظر إلى الانخراط الأميركي باعتباره تدخلًا جديدًا يعيد إنتاج الاستقطاب بدل معالجته.
سابعًا: السيادة الليبية… بين الدعم والرهان
السؤال الأكثر حساسية يظل مطروحًا:
هل يعزز التعاون مع واشنطن استقلال القرار العسكري الليبي، أم يقوده إلى تبعية جديدة بأدوات أكثر حداثة؟
فالتجربة الليبية، كما غيرها من تجارب المنطقة، تُظهر أن الدعم العسكري الخارجي قد يتحول سريعًا إلى أداة ضغط سياسي، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات وطنية موحدة قادرة على ضبط الشراكات الخارجية.
ثامنًا: سيناريوهات محتملة
أمام هذا المسار، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
1. سيناريو التوازن: نجاح ليبيا في توظيف الدعم الأميركي ضمن إطار وطني جامع
2. سيناريو الاستقطاب: تحوّل التعاون إلى عنصر صراع بين الشرق والغرب
3. سيناريو التدويل: تصاعد التنافس الدولي وتحول الجيش إلى ساحة نفوذ
الخلاصة
عودة واشنطن إلى ليبيا ليست عودة عاطفية ولا إنسانية، بل عودة مصالح بامتياز. فالجيش الليبي بالنسبة للولايات المتحدة ليس مجرد مؤسسة وطنية، بل أداة لضبط توازنات إقليمية معقدة تمتد من المتوسط إلى الساحل الإفريقي.
أما الرهان الحقيقي، فيبقى ليبيًا بالدرجة الأولى: إما تحويل هذا الانخراط إلى فرصة لبناء دولة، أو تركه يتحول إلى فصل جديد من فصول الصراع بالوكالة.













