خطة خفض التصعيد بين موسكو وكييف: نافذة لإعادة ترتيب مسار التفاوض وأفق الأمن الإقليمى
موسكو- المنشر الإخباري
عاد ملف خفض التصعيد في الحرب الأوكرانية ليطفو على السطح السياسي خلال الأسابيع الماضية، ليشكل أحد المسارات المحتملة لإعادة رسم خريطة التفاوض بين موسكو وكييف. تأتي هذه التطورات في ظل حراك دبلوماسي مكثف قادته الولايات المتحدة، مع استمرار التباينات بين الأطراف المعنية وغياب توافق حقيقي على أساسيات التسوية.
خفض التصعيد: نافذة مؤقتة أم مسار مستدام؟
أبدت روسيا استعدادًا مشروطًا لتهيئة أجواء التفاوض، مؤكدة أن وقف الضربات على كييف في نهاية يناير كان خطوة تهدف إلى تهيئة الظروف الملائمة للمحادثات، وبطلب مباشر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
لكن المسؤولين الروس شددوا على أن ديناميكيات الجبهة، لا التصريحات السياسية، هي التي تحدد موقف موسكو من القضايا الجوهرية، بما في ذلك مناطق دونباس وزابوروجيا.
في المقابل، ربطت كييف خفض التصعيد بخلق بيئة من الثقة المتبادلة لضمان نجاح أي مفاوضات، معتبرة أن توقف الضربات الروسية المؤقت على منشآت الطاقة عزز فرص الحوار، رغم استمرار العمليات القتالية قرب خطوط التماس.
المبادرات الأوكرانية ودور الولايات المتحدة
أعلنت القيادة الأوكرانية موافقتها على تجديد مبادرة خفض التصعيد في قطاع الطاقة بدعم أمريكي، مع التركيز على ضمانات أمنية أساسية لإنجاح أي اتفاق مستقبلي.
وأشار المحلل السياسي والخبير في الشؤون الروسية، الدكتور سمير أيوب، إلى أن وتيرة الضربات اليومية تضع الجيش الأوكراني في موقف حرج، لا سيما مع انخفاض حجم ونوعية الإمدادات العسكرية المتاحة حاليًا.
وأكد أيوب أن أي حديث عن حل سياسي حقيقي يتطلب من الرئيس زيلينسكي أن يكون طرفًا موثوقًا به على طاولة المفاوضات، وأن يظهر استعدادًا لمناقشة البنود الروسية حتى لو كانت جزئية.
التحديات الميدانية والسياسية
يطرح استمرار العمليات العسكرية عقبة رئيسية أمام تحويل خفض التصعيد إلى مسار تفاوضي مستدام. حيث تشير العمليات الأخيرة، بما فيها استهداف منشآت الطاقة الروسية، إلى أن أوكرانيا تراهن على الضغط الاقتصادي والعسكري لإحداث تأثير على المزاج العام داخل روسيا، إلا أن النتائج لم تحقق ما كان متوقعًا.
وأضاف المحلل محمد العروقي أن الرغبة في خفض التصعيد قائمة من حيث المبدأ، لكنها لم تتحقق عمليًا بسبب الرفض الروسي المستمر. وذكر أن كييف كانت قد عرضت سابقًا هدنة لمدة شهرين ضمن مباحثات جدية، بدعم من الولايات المتحدة، لكن روسيا رفضت هذا المقترح.
أبعاد اقتصادية واستراتيجية
خفض التصعيد، في حال نجاحه، قد يحقق عدة فوائد استراتيجية:
• تعزيز الثقة المتبادلة: يخلق لغة مشتركة تدعم فرص نجاح المفاوضات المستقبلية.
• استقرار أسواق الطاقة: توقف مؤقت للعمليات العسكرية على منشآت الطاقة الروسية قد يخفف من تقلب أسعار النفط والغاز عالميًا.
• تخفيف الضغط العسكري على القوات الأوكرانية: يمنحها فرصة لإعادة التنظيم وتحديث قدراتها.
• دور الوسيط الأمريكي: يعزز نفوذ واشنطن في تسوية الأزمة وفرض معايير للتفاوض.
السيناريوهات المستقبلية
رغم الفرص المحدودة التي يفتحها خفض التصعيد، تبقى احتمالات الوصول إلى تسوية سياسية ضعيفة، خاصة في ظل استمرار العمليات العسكرية.
• استمرار الهجمات في العمق الروسي يعرقل أي مسار تفاوضي.
• الجمود السياسي بين موسكو وكييف يزيد صعوبة التوصل إلى اتفاق شامل.
• تحتاج أي هدنة مستقبلية إلى آلية مراقبة دولية فعالة لضمان التنفيذ.
يبقى خفض التصعيد خطوة إيجابية محتملة، لكنها ليست ضمانة لنجاح المفاوضات. الفارق بين التوقف المؤقت للعمليات العسكرية والتوصل إلى تسوية مستدامة لا يزال كبيرًا، ويعتمد على مستوى الثقة بين الأطراف، واستعدادها للتنازل عن بعض المطالب الأساسية، إضافة إلى الدور الوسيط للدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
الواقع يشير إلى أن المسار التفاوضي لا يزال هشًا ومتقلبًا، وأن أي خطوة خاطئة على الأرض قد تلغي أي تقدم دبلوماسي مؤقت.










