صندوق بلا رقابة شعبية يدير ٤٠ شركة حكومية… استثمار رشيد أم خصخصة بلا برلمان؟
اجتماع فى العاصمة الجديدة يفتح الباب لتحوّل كبيرفى خطوة تُعد من أبرز التحولات فى خريطة ملكية الشركات العامة فى مصر خلال السنوات الأخيرة، أعلن مساعد رئيس الوزراء، والرئيس التنفيذى لوحدة الشركات المملوكة للدولة، هاشم السيد، البدء فى إجراءات نقل ٤٠ شركة مملوكة للدولة إلى صندوق مصر السيادى، ضمن قائمة تضم ٦٠ شركة تخضع حاليًا لعمليات إعداد وإعادة هيكلة.
جاء الإعلان خلال اجتماع عقده رئيس الوزراء مصطفى مدبولى بمقر الحكومة فى العاصمة الإدارية الجديدة، بحضور نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية حسين عيسى، لمناقشة تبعات إلغاء وزارة قطاع الأعمال العام وآليات التعامل مع الشركات التى كانت تتبعها.
السيد أوضح أن الخطة تشمل تجهيز ٦٠ شركة؛ ٤٠ منها ستُنقل ملكيتها للصندوق السيادى، بينما سيتم قيد ٢٠ شركة أخرى فى البورصة المصرية، فى إطار ما تقول الحكومة إنه «تعظيم للعائد من أصول الدولة وإفساح المجال أمام القطاع الخاص».
هذه الخطوة تأتى كحلقة جديدة فى سلسلة إجراءات أوسع بدأت قبل أعوام تشمل برنامج الطروحات الحكومية، وتوسيع دور صندوق مصر السيادى فى إدارة وبيع حصص من الأصول العامة.
خلفية القرار: من إلغاء الوزارة إلى تعظيم العائدقرار نقل ٤٠ شركة إلى الصندوق السيادى يرتبط مباشرة بقرار رئاسى سابق بإلغاء وزارة قطاع الأعمال العام، بعد نحو عشر سنوات على استحداثها، وتحويل الشركات التابعة لها إلى ولايات مختلفة، على رأسها صندوق مصر السيادى
وتستند الحكومة فى تبرير هذه الخطوة إلى وثيقة سياسة ملكية الدولة والتزاماتها فى برامج الإصلاح الاقتصادى، ولا سيما التفاهمات مع صندوق النقد الدولى التى تشجع على تقليص دور الدولة المباشر كمالك ومشغل للشركات، لصالح توسيع دور القطاع الخاص.
تقارير اقتصادية سابقة أشارت إلى أن الحكومة تستهدف على المدى الأوسع نقل مئات الشركات إلى الصندوق السيادى ضمن خطة قد تشمل نحو ٣٧٠ شركة فى مراحل لاحقة، مع إعطاء الأولوية للشركات الرابحة وذات الهياكل البسيطة، بينما تُترك الشركات الخاسرة أو ذات الأصول المعقدة لعمليات إعادة هيكلة مستقبلية.
فى هذا السياق تبدو الدفعة الحالية البالغة ٤٠ شركة بمثابة «الدفعة الأولى المنظمة» من عملية أوسع لإعادة رسم خريطة ملكية الأصول العامة.
ما الذى يعنيه نقل الشركات للصندوق السيادى؟على المستوى الرسمى، تقول الحكومة إن نقل ملكية الشركات إلى صندوق مصر السيادى لا يعنى بيعها فورًا، بل إخضاعها لإدارة استثمارية أكثر مرونة، تسمح بإعادة هيكلتها، أو إدخال شركاء استراتيجيين، أو طرح حصص منها فى البورصة فى توقيتات محسوبة لتعظيم عائد الدولة.
الصندوق، بوصفه كيانًا مستقلًا عن الموازنة العامة، يُفترض أن يمتلك القدرة على التحرك بسرعة فى التفاوض مع المستثمرين، وجذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، وتطوير الأصول غير المستغلة.
لكن منتقدين يرون أن نقل الشركات إلى الصندوق السيادى هو عمليًا «فصل سياسى» يسبق عمليات بيع أو شراكات مع مستثمرين، بحيث تتم الصفقات بعيدًا عن الرقابة البرلمانية الصارمة التى تخضع لها عمليات الخصخصة التقليدية.
ويستند هؤلاء إلى تجارب سابقة تم فيها بيع حصص من شركات مملوكة للدولة عبر الصندوق لصناديق سيادية خليجية ومستثمرين عرب وأجانب، فى إطار سعى مصر لجمع مليارات الدولارات من التخارج من الأصول العامة.
جدل حول الشفافية والرقابة على أصول الدولةالسؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بمستوى الشفافية الذى ستحظى به عملية نقل الشركات وإدارتها داخل الصندوق، خاصة مع غياب تفاصيل كاملة عن أسماء الشركات الأربعين المستهدفة وتركيبة أصولها وقيمها التقديرية.
تقارير نقدية حذّرت من أن توسّع صلاحيات الصندوق فى بيع الأصول أو الدخول فى شراكات طويلة الأجل قد يتحول إلى «خصخصة بلا رقابة كافية»، إذا لم تُنشَر بيانات تفصيلية عن الصفقات، وشروطها، والعوائد المتحققة لخزانة الدولة.
من زاوية أخرى، يطرح اقتصاديون سؤالًا حول مدى قدرة الصندوق على إنجاح إعادة هيكلة الشركات الخاسرة أو المتعثرة إذا تم ضمّها فى مراحل لاحقة، فى ظل تحديات بيروقراطية وإدارية متراكمة.
فنجاح التجربة لن يُقاس فقط بحجم الأموال التى سيتم تحصيلها من بيع حصص أو إدخال شركاء، بل أيضًا بقدرة هذه الأصول على تحقيق قيمة مضافة للاقتصاد، وتوفير فرص عمل، وتحسين كفاءة الخدمات والإنتاج.
بين رؤية الحكومة ومخاوف الشارع الاقتصادى
أنصار القرار داخل الحكومة يرون أن نقل ٤٠ شركة للصندوق السيادى يمثل خطوة ضرورية للخروج من نموذج «الدولة التاجر» الذى أثبت محدوديته، والانتقال إلى نموذج تستثمر فيه الدولة عبر ذراع مهنى يسعى لتعظيم القيمة بدلًا من إدارة الشركات يوميًا.
ويعتبرون أن إشراك مستثمرين من القطاع الخاص المحلى والأجنبى عبر الصندوق يمكن أن يسهم فى إدخال تكنولوجيا جديدة، وتحسين الحوكمة، وتخفيف عبء تمويل هذه الكيانات عن كاهل الموازنة العامة.
فى المقابل، يرى منتقدون أن السياق الاقتصادى الضاغط، وحاجة الدولة الماسة للنقد الأجنبى، قد يدفعان نحو إبرام صفقات سريعة أقل من القيمة الحقيقية للأصول، ما يعيد إلى الأذهان تجارب خصخصة مثيرة للجدل فى التسعينيات وبداية الألفية.
كما يثير غياب مشاركة أوسع من الرأى العام والبرلمان فى مناقشة تفاصيل الخطة تساؤلات عن مستقبل ما تبقى من القطاع العام، وإلى أى مدى سيظل المواطن شريكًا فى ملكية أصوله التاريخية أم سيتحول إلى مجرد متلقى لخدمات تقدمها شركات ذات طابع استثمارى بحت.
فى المحصلة، يفتح قرار نقل ٤٠ شركة حكومية إلى صندوق مصر السيادى صفحة جديدة فى سجال طويل حول دور الدولة فى الاقتصاد، بين رؤية رسمية تعتبر الخطوة «تحديثًا لإدارة الأصول وتعظيمًا للعائد»، ورؤية معارضة تخشى أن تتحول إلى بوابة لبيع ما تبقى من شركات القطاع العام بعيدًا عن الأعين، لتظل الشفافية والرقابة المجتمعية العامل الحاسم فى الحكم على حصيلة هذه التجربة خلال السنوات المقبلة.










