ما حقيقة الخطة الفرنسية المثيرة للجدل؟
الخطة الفرنسية لا تتضمن أى مادة قانونية لإجبار النساء على الإنجاب فى سن معينة، بل تعتمد على إرسال رسائل ورقية إلى كل من يبلغ ٢٩ عامًا من النساء والرجال، لتذكيرهم بأن الخصوبة تبدأ فى التراجع وتشجيعهم على التفكير فى الإنجاب أو تجميد البويضات.
هذه الرسائل جزء من خطة حكومية من ١٦ بندًا لمواجهة انخفاض معدلات المواليد فى فرنسا، حيث تدور الخصوبة الحالية حول ١٫٥٦ طفل لكل امرأة، أقل من المستوى المطلوب لاستقرار عدد السكان.
تختار الحكومة سن ٢٩ لسبب إجرائى وطبيّ، إذ يسمح القانون الفرنسى للنساء اعتبارًا من هذا العمر بتجميد البويضات دون الحاجة إلى شهادة طبية، كما تتحمل منظومة التأمين الصحى تكاليف تجميد البويضات من ٢٩ حتى ٣٧ عامًا.
الرسالة، وفق وزارة الصحة، تهدف إلى تقديم «معلومات علمية متوازنة عن الصحة الجنسية والإنجابية»، وتذكير الشباب بحقهم فى الاستفادة من خدمات التجميد والفحوص المبكرة إذا رغبوا.
مضمون الرسائل وما تريده الدولةالمراسلات المقرر إرسالها إلى مئات الآلاف من الشابات والشبان تشرح أن أعلى معدلات الخصوبة بيولوجيًا تكون فى العشرينيات، وأن فرص الحمل تقلّ مع التقدم فى العمر، خصوصًا بعد منتصف الثلاثينيات.
وتشير الرسائل إلى أن العقم أو صعوبات الإنجاب باتت تؤثر على واحد من كل ثمانية أزواج فى فرنسا، بما يعادل نحو ٣٫٣ مليون شخص، ما يستدعى خطة وطنية لرفع الوعى بالخطر.
الخطة لا تكتفى بالرسائل، بل تشمل توسيع عدد مراكز حفظ البويضات من نحو ٤٠ إلى ٧٠ مركزًا، والسماح بدور أكبر للقطاع الخاص فى هذا المجال، إضافة إلى موقع إلكترونى تحت مسمى «خصوبتى» وحملات توعية فى المدارس حول الصحة الإنجابية.
الحكومة تصرّ على أن دورها «ليس الضغط على الناس لإنجاب أطفال»، بل منحهم معلومات مبكرة حتى لا يندموا لاحقًا قائلين «لو كنت أعلم».
انتقادات واسعة: ضغط ناعم بدل معالجة الأسباب
منذ الإعلان عن الخطة، انهالت الانتقادات من خبراء نفسيين وحقوقيين وكتاب رأى، اعتبروا أن الرسائل تمارس نوعًا من الضغط الناعم على الأفراد بدل معالجة الأسباب الحقيقية لعزوف كثيرين عن الإنجاب، مثل أزمة السكن وارتفاع تكاليف المعيشة وعدم استقرار الوظائف.
إحدى الخبيرات النفسيات، مارى إستيل دوبون، قالت لوسائل إعلام إن تمديد إجازة الأمومة من ١٦ إلى ٢٦ أسبوعًا سيكون أكثر فعالية فى تشجيع الإنجاب من إرسال رسائل «تذكير بيولوجى» بالبريد.
كتّاب وناشطون شبّهوا الرسالة بأنها «تدخل أبوّى فى قرار شديد الخصوصية»، محذّرين من أن الدولة تحمّل الأفراد مسؤولية أزمة ديموغرافية سببها فى الأصل سياسات اقتصادية واجتماعية تجعل الحياة العائلية مكلفة وغير جذابة.
بعض الشباب الذين استطلعت الصحافة آراءهم وصفوا الفكرة بأنها «معاملة للبالغين كالأطفال»، مشيرين إلى أن أسباب تأخر الإنجاب لدى كثيرين تتعلق بالرواتب المنخفضة، وأسعار الإيجارات، والقلق البيئى على مستقبل الكوكب، وليس فقط بجهل بمسألة الخصوبة.
بين هوس الدولة بالمواليد وحق الجسدالجدل الدائر حول خطة الخطابات الفرنسية يعكس صدامًا أوسع بين هاجس الدولة تجاه تراجع المواليد وخوفها على نظام المعاشات وسوق العمل، وبين حق الأفراد فى تقرير مصير أجسادهم وأسرهم دون وصاية.
مؤيدو الخطة يرون أن من حق الدولة أن تُذكِّر مواطنيها بالحقائق البيولوجية وتوفر لهم معلومات وخدمات، ما دام لا توجد عقوبات أو إجبار قانونى على الإنجاب
فى المقابل، يخشى منتقدون من أن تتحول هذه الرسائل إلى خطوة أولى فى سلسلة إجراءات أكثر تدخلاً، مثل ربط بعض المزايا أو السياسات الضريبية بالإنجاب، أو خلق وصمة اجتماعية جديدة ضد من يختارون عدم الإنجاب.
ويذكّر البعض بتجارب دول أخرى حاولت التدخل فى قرار الإنجاب، من خلال سياسات حادة إما لتقييد عدد الأطفال أو لزيادته، انتهت غالبًا إلى نتائج عكسية ومقاومة شعبية قوية.
فى النهاية، ما تفعله فرنسا اليوم هو إطلاق حملة مثيرة للجدل تدقّ جرس إنذار ديموغrafى عبر صندوق البريد، لكنها لا تملك – ولا تستطيع قانونًا – أن تجبر امرأة على الإنجاب فى سن ٢٩ أو غيرها، ليبقى القرار فى جوهره شأنًا شخصيًا، بينما تدور المعركة الحقيقية حول أى نموذج اجتماعى واقتصادى يجعل فكرة إنجاب طفل خيارًا ممكنًا وآمنًا لا استجابة مذعورة لرسالة حكومية تقول: «قبل أن يفوت الأوان».










