من الغذاء إلى الهوية، ومن الاستهلاك إلى السياسة، يفرض سوق “الحلال” نفسه اليوم كأحد أكثر الملفات حساسية في أوروبا، وسط اتهامات متصاعدة باستخدامه كوسيلة اختراق أيديولوجي تقودها جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها جماعة الأخوان المسلميين
برلين – المنشر الإخبارى
من قطعة لحم إلى إمبراطورية اقتصادية عابرة للحدود
خلال أقل من أربعة عقود، انتقل مفهوم “الحلال” من كونه التزامًا دينيًا فرديًا يقتصر على الطعام، إلى صناعة عالمية تقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات، تشمل الغذاء، ومستحضرات التجميل، والملابس، والسياحة، بل وحتى التمويل والخدمات المصرفية.
هذا التوسع السريع لم يكن – وفق باحثين أوروبيين – نتيجة طبيعية للطلب الديني فقط، بل جاء متزامنًا مع صعود الحركات الإسلاموية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، والتي رأت في السوق أداة تنظيم وتأثير لا تقل فاعلية عن العمل السياسي المباشر.
“الجهاد عبر السوق”.. عندما يصبح الاستهلاك موقفًا سياسيًا
عالمة الأنثروبولوجيا الفرنسية فلورنس بيرجو-بلاكلر، الباحثة في المركز الوطني للبحث العلمي، توثّق في كتابها “الجهاد عبر السوق” كيف أعادت الحركات الإسلاموية تعريف مفهوم الحلال، ليصبح “علامة هوية” أكثر منه ممارسة دينية.
وفق هذا المنظور، لم يعد المستهلك مجرد فرد يختار منتجًا، بل “فاعلًا سياسيًا” يُطلب منه:
• مقاطعة منتجات بعينها باعتبارها “غير أخلاقية” أو “معادية للإسلام”
• دعم منتجات بديلة توصف بأنها “ملتزمة” أو “منتصرة للقضية”
هكذا يتحول الشراء إلى تصويت، والسوق إلى ساحة صراع رمزي.
الإخوان المسلمون وبناء “اقتصاد موازٍ”
تشير دراسات فرنسية وبريطانية إلى أن جماعة الإخوان تعتمد استراتيجية طويلة المدى تقوم على:
• تشجيع إنشاء شركات ومؤسسات “حلال”
• خلق شبكات اقتصادية مغلقة نسبيًا
• تعزيز خطاب “التمييز” و”الإسلاموفوبيا” لتبرير الانعزال الاقتصادي
الهدف، بحسب باحثين، ليس فقط الربح، بل بناء مجتمع موازٍ يملك أدواته الاقتصادية والإعلامية والاجتماعية، ويصبح أقل اندماجًا في النموذج العلماني للدولة.
منطق “الأكثر حلالًا”.. سلاح الإقصاء الصامت
أحد أخطر أوجه الظاهرة هو ما يسميه الباحثون “منطق المزايدة”:
• منتج حلال اليوم قد يصبح “غير كافٍ” غدًا
• شركة تُستبعد بسبب شبهة علاقة سياسية أو جغرافية
• حملات مقاطعة تُطلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون رقابة
بهذا المنطق، يتحول “الحلال” من معيار ديني إلى أداة ضبط اجتماعي، تُستخدم لإعادة رسم الحدود بين “نحن” و”هم”.
قلق رسمي وتصعيد سياسي في فرنسا
لم تعد هذه التحذيرات حكرًا على الأكاديميين. ففي خطوة لافتة، تبنت الجمعية الوطنية الفرنسية تبنت قرارًا يدعو إلى إدراج الإخوان المسلمين ضمن قوائم التنظيمات المتطرفة على المستوى الأوروبي.
القرار استند إلى تقارير أمنية تحدثت عن:
• اختراق ناعم للمجتمع عبر الاقتصاد
• خطاب مزدوج يجمع بين الاعتدال العلني والتشدد الداخلي
• استغلال مفاهيم الحرية الدينية لإضعاف النموذج العلماني
ورغم تحفظ الحكومة الفرنسية لأسباب قانونية، فإن النقاش كشف عن انقسام حاد داخل الطبقة السياسية والمجتمع.
بين الحرية الدينية والتوظيف الأيديولوجي
لا خلاف على أن احترام الحرية الدينية مبدأ أساسي في الديمقراطيات الأوروبية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة:
متى يتحول الحق الديني إلى أداة نفوذ سياسي؟
ومتى يصبح السوق وسيلة لإعادة تشكيل الهوية والانتماء خارج إطار الدولة؟
سوق الحلال لم يعد مجرد خيار استهلاكي، بل بات – في نظر خصومه – أداة قوة ناعمة، تُستخدم لإعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والمجتمع.
وبين من يراه تعبيرًا مشروعًا عن الحرية، ومن يعتبره “حصان طروادة” أيديولوجيًا، تستعد أوروبا لمعركة طويلة عنوانها:
من يملك السوق… يملك التأثير.










