رجل الدولة أم صديق المتحرشين؟ سلطان بن سليم في مواجهة أسئلة العالم عن فيديو التعذيب
من هو سلطان أحمد بن سليم؟
سلطان أحمد بن سليم واحد من أبرز رجال الأعمال في الإمارات، برز اسمه باعتباره العقل المدبر وراء توسع شركة موانئ دبي العالمية DP World لتصبح من أكبر مشغلي الموانئ وسلاسل الإمداد في العالم، حيث تدير ما يقرب من عُشر تجارة الحاويات العالمية بحسب تقارير متطابقة.
تولى بن سليم رئاسة مجلس إدارة موانئ دبي العالمية منذ 2007، ثم جمع بين منصبي الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة في السنوات الأخيرة، ما جعله أحد أكثر التنفيذيين نفوذًا في دبي والمنطقة.
امتدت مسيرته مع مجموعة «دبي العالمية» إلى مشروعات واستحواذات في قارات متعددة، رسخت صورته كرجل صفقات عابرة للحدود يحظى بقرب سياسي من دوائر الحكم في الإمارة.
لكن صورة «مهندس النجاحات اللوجستية» لم تعد هي العنوان الوحيد لمسيرته، بعد أن ظهر اسمه بشكل واضح ومباشر في ملفات جيفري إبستين، الممول الأميركي المدان في قضايا استغلال قاصرات والاتجار الجنسي، لتبدأ مرحلة جديدة من الجدل حول علاقات المال والنفوذ والفضائح الأخلاقية.
تفاصيل التسريبات: رسائل «التعذيب» والإيميلات الحميمةالمفصل الأبرز في الأزمة الحالية جاء مع كشف وزارة العدل الأميركية عن تفاصيل جديدة من «ملفات إبستين»، حيث تم التعرف على أن شخصية «سلطان» المذكورة في مراسلات إبستين هي سلطان أحمد بن سليم، رئيس DP World.
تظهر الوثائق أن بن سليم حافظ على تواصل مع إبستين لأكثر من عقد، بما في ذلك سنوات ما بعد إدانة الأخير عام 2008 في قضية استغلال قاصر لأغراض الدعارة.
إحدى الرسائل التي أثارت صدمة واسعة تعود إلى أبريل 2009، حين كتب إبستين في رسالة بريد إلكتروني: «أين أنت؟ هل أنت بخير؟ أحببت فيديو التعذيب»، وهي الرسالة التي أكد نواب أميركيون أن مستقبلها هو سلطان بن سليم، استنادًا إلى النسخ غير المنقحة من الملفات.
رد بن سليم، بحسب ما نُقل في الوثائق، كان بأنه في الصين وسيكون في الولايات المتحدة في الأسبوع الثاني من مايو، دون أي إشارة علنية إلى مضمون «فيديو التعذيب» أو طبيعته.
حتى الآن، لا يزال الغموض يلف ماهية هذا الفيديو، ولا يوجد تأكيد رسمي حول ما إذا كان قد أُرسل فعلًا من بن سليم إلى إبستين، أم أنه وُصف بهذه الطريقة في سياق ساخر أو مشفر بين الطرفين.
الملفات تكشف أيضًا عن رسائل ذات طابع شخصي حميم، من بينها رسالة كتب فيها بن سليم عام 2015، متحدثًا عن طالبة تبادل أجنبي في دبي، واصفًا علاقتها به بطريقة فجة وصريحة من الناحية الجنسية، مع عبارة «أفضل جنس حصلت عليه.. جسد مذهل»، في رسالة وصلت إلى إبستين.
وتظهر مراسلات أخرى طلبات من إبستين للحصول على مساعدة من بن سليم في الوصول إلى عارضة أزياء شهيرة، ورد الأخير بأنه حاول لشهور مقابلتها وأن «هناك سوء فهم، هي أرادت بعض الـBUSINESS بينما أنا أردت بعض الـPUSSYNESS»، في تعبير يخلط بشكل فج بين «البزنس» و«الجنس».
إلى جانب الجانب الشخصي، توثق الرسائل تبادلًا للمعلومات حول صفقات واستثمارات وبُنى تحتية «حساسة»، حيث أبلغ بن سليم إبستين في إحدى المراسلات بأنه ينتظر الموافقة على الاستحواذ على أصل بنية تحتية حساس سيتم بعد توقيع اتفاقية ثنائية بين الإمارات وروسيا، في إشارة إلى مستوى النفوذ السياسي والاستثماري الذي كان يتم تداوله داخل هذه الدائرة المغلقة.
كما تتحدث تقارير عن زيارات قام بها بن سليم إلى جزيرة إبستين في الكاريبي، ورسائل حول تنسيق لقاءات وشبكة علاقات تشمل رجال سياسة ومال عبر القارات.
عزل بن سليم من DP World وضغط المستثمرينمع تصاعد الضجة، تحركت موانئ دبي العالمية والدولة المالكة في مسار احتواء الضرر؛ فقد أعلنت الشركة عن تعيين عيسى كاظم رئيسًا لمجلس الإدارة، ويوفراج نارانايان رئيسًا تنفيذيًا جديدًا للمجموعة، منهية بذلك فترة احتكار بن سليم للمنصبين معًا.
البيانات الرسمية لم تذكر اسم بن سليم صراحة ولم تُشر إلى ملفات إبستين، لكنها تحدثت عن إعادة هيكلة قيادية لتعزيز استراتيجية النمو المستدام ودور الشركة في سلاسل التوريد العالمية، في محاولة واضحة للفصل بين «المؤسسة» و«الفضيحة الشخصية».
لكن ما جرى خلف الكواليس كان أبعد من مجرد تعديل إداري؛ إذ أفادت تقارير بأن مؤسسات استثمارية كبرى مثل «British International Investment» البريطانية وصندوق تقاعد كندي قررت تجميد أي استثمارات جديدة مع DP World إلى حين اتضاح موقف الشركة من اسم رئيسها السابق في ملفات إبستين، معبرة عن «الصدمة» من تلك الاتهامات.
هذه الضغوط عززت الانطباع بأن قرار الإطاحة ببن سليم كان استجابة مباشرة لمخاوف تتعلق بسمعة الشركة ومخاطر السمعة في الأسواق العالمية لا لمجرد اعتبارات حوكمة عادية.
ورغم أن كونه مذكورًا في الملفات لا يُعد دليلًا قانونيًا على ارتكاب جرائم، كما تؤكد تقارير إعلامية، إلا أن مجرد ربط اسم رئيس واحدة من أكبر شركات الخدمات اللوجستية في العالم بشبكة إبستين يكفي لزعزعة ثقة الرأي العام والمستثمرين، خاصة في بيئة مالية أصبحت أكثر حساسية تجاه قضايا الاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر.
وحتى اللحظة، لم تُوجَّه لبن سليم اتهامات جنائية معلنة في هذه القضية، بينما يلتزم هو بالصمت ولم يصدر عنه تعليق مباشر على تفاصيل الرسائل أو القرار بإخراجه من صدارة المشهد داخل DP World.
دلالات أوسع: نفوذ الخليج وحدود المحاسبة
تكشف قضية سلطان أحمد بن سليم عن مدى تشابك المال الخليجي مع شبكات النفوذ الغربية، حيث لا تدور الرسائل حول صفقات وموانئ فقط، بل تمتد إلى علاقات شخصية وحفلات وجزر خاصة وتبادل خدمات تتجاوز حدود الرسمي إلى الأخلاقي والمشبوه.
وجود رجل بهذه المكانة، متصل بعائلة حاكمة وشركات سيادية، داخل ملفات إبستين يفتح الباب أمام أسئلة محرجة تتعلق بآليات الرقابة داخل الأنظمة الاقتصادية في الخليج، وحدود ما يمكن أن يتحمله الشركاء الدوليون من «فضائح شخصية» قبل أن يضغطوا من أجل تغيير الوجوه.
في الوقت نفسه، تعكس سرعة إبعاد بن سليم من واجهة DP World إدراكًا رسميًا بأن العالم لم يعد يتسامح مع الربط بين الشركات الكبرى وقصص الاستغلال والانتهاكات الجنسية حتى لو لم تُثبت قانونيًا، وأن «تجميل السمعة» لم يعد كافيًا أمام وثائق وإيميلات تحمل عبارات صادمة من نوع «فيديو التعذيب» وعلاقات حميمة موثقة.
وبينما يترقب المستثمرون والرأي العام ما إذا كانت هذه النهاية السياسية والمهنية لرجل كان يقدم بوصفه رمزًا لنجاح نموذج دبي الاقتصادي، يبقى السؤال الأوسع: هل ستتوقف التداعيات عند حدود شخص واحد، أم أن موجة محاسبة أوسع ستطال شبكة العلاقات التي نسجها إبستين مع رجال أعمال وسياسيين في المنطقة؟








