أثار نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس عاصفة سياسية ودبلوماسية بعدما حُذف منشور من حسابه الرسمي على منصة «إكس» تضمن اعترافًا صريحًا بـ«الإبادة الجماعية للأرمن» عام 1915، في خطوة اعتُبرت تراجعًا تحت ضغط البيت الأبيض ومراعاةً لحساسية تركيا الحليف الإستراتيجي لواشنطن.
كيف بدأت الأزمة؟ منشور ثم حذف سريع
القصة بدأت خلال زيارة رسمية لجى دي فانس إلى أرمينيا، في أول زيارة من نوعها لنائب رئيس أمريكي إلى هذا البلد الواقع في جنوب القوقاز، حيث توجه إلى النصب التذكاري للإبادة الجماعية للأرمن في يريفان وشارك مع زوجته أوشا في مراسم وضع إكليل من الزهور.
الحساب الرسمي لفانس على منصة «إكس» نشر منشورًا أشار بوضوح إلى أن الزيارة جاءت «لتكريم ضحايا الإبادة الجماعية للأرمن عام 1915»، وهو توصيف يتجاوز الصياغات الحذرة التي تتجنّبها إدارات أمريكية عديدة مراعاةً للعلاقة مع تركيا، قبل أن يُحذف المنشور بعد وقت قصير.
بحسب تقارير أمريكية، جاء في المنشور المحذوف نص يفيد بأن فانس وزوجته شاركا في مراسم وضع إكليل «لضحايا الإبادة الأرمنية» أو «الإبادة الجماعية للأرمن»، وهي صياغة صريحة أثارت الانتباه لأنها بدت خروجًا على الخط المعتمد من إدارة ترامب الحالية في التعامل مع هذا الملف الحساس.
تبرير رسمي: “خطأ من فريق الموظفين”بعد الجدل، سارع مكتب فانس لتقديم تفسير، مؤكدًا أن المنشور نُشر «عن طريق الخطأ» من قبل موظفين يديرون الحساب وغير مرافقين للوفد، وأن الحساب مخصص بالأساس لمشاركة الصور والفيديوهات وليس لصياغة مواقف سياسية دقيقة في ملفات حساسة.
المتحدث باسم فانس أوضح أن «آراء نائب الرئيس تعبر عنها تصريحاته للصحفيين»، مشيرًا إلى أن فانس نفسه، عندما سُئل على أرض المطار عن زيارته للنصب التذكاري وما إذا كان «يعترف بالإبادة الجماعية»، تجنب استخدام مصطلح «إبادة»، واكتفى بوصف ما حدث بأنه «مأساة مروعة وقعت منذ أكثر من مئة عام»، وهي صياغة أقل حسمًا من النص المحذوف.
لاحقًا، استُبدل المنشور المحذوف بتدوينة أخرى أكثر غموضًا، تضمنت صورًا من الزيارة ومقطعًا مصورًا، مع التركيز على كلمات فانس في دفتر الزوار حيث كتب جملة أقرب إلى «تذكار مهيب للأرواح التي فُقدت ولروح الشعب الأرمني الصامدة»، دون ذكر كلمة «إبادة».
بين ضغوط تركيا وحساسية التعبير
حذف المنشور لم يُقرأ فقط كتصحيح تقني، بل كرسالة سياسية موجّهة لأنقرة، إذ تعتبر تركيا أن وصف ما حدث عام 1915 بـ«الإبادة الجماعية» مسألة خط أحمر، وإن كانت تعترف بمقتل أعداد كبيرة من الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى لكنها ترفض وصف ذلك بالإبادة المنظمة.
التقارير أشارت إلى أن البيت الأبيض رأى في المنشور المحذوف خرقًا لخط دبلوماسي دقيق، خاصة أن تركيا تلعب دورًا مهمًا في ملفات إقليمية حساسة، من بينها الوساطة بين إدارة ترامب وإيران، إلى جانب موقعها الجغرافي والعسكري داخل حلف الناتو.
في المقابل، يذكّر مراقبون بأن أرمينيا والشتات الأرمني في الولايات المتحدة يرون في الاعتراف الرسمي الكامل بالإبادة الجماعية مسألة أخلاقية غير قابلة للمساومة، وقد سبقت الكونغرس وولايات أمريكية عديدة في إصدار قرارات واضحة تستخدم مصطلح «إبادة».
ردود فعل غاضبة: اتهامات بـ“الجبن السياسي”منظمات أرمنية وجماعات ضغط سارعت لانتقاد حذف المنشور، بينها اللجنة الوطنية الأرمنية في أمريكا التي وصفت الخطوة بأنها «إنكار متسق مع نهج ترامب في الهروب من ذكر الجريمة»، بينما نقلت وسائل إعلام عن ناشطين وصفهم لفانس بأنه «جبان» لأنه تراجع عن اعتراف مكتوب بعد ساعات فقط من نشره.
مقالات تحليلية وصفت الحادثة بأنها تكشف «ازدواجية الذاكرة» في السياسة الأمريكية: حيث يُوضع إكليل من الزهور أمام النصب التذكاري، وتُكتب عبارات تعاطف في دفتر الزوار، لكن كلمة «إبادة» تُمحى من الفضاء الرقمي خشية غضب حليف إستراتيجي.
في الكونغرس، عبّر بعض المشرعين – خصوصًا من الحزب الديمقراطي – عن استيائهم مما جرى، معتبرين أن الاعتراف بالإبادة يجب أن يكون «ثابتًا لا يخضع لتقلبات السياسة الخارجية»، وأن حذف المصطلح بعد نشره يرسل رسالة سلبية للضحايا وذويهم وللمجتمع الدولي.
دلالات أوسع: من يملك حق تعريف التاريخ؟
القضية أعادت إلى الواجهة سؤالًا أوسع: من يملك حق تعريف ما وقع للأرمن قبل أكثر من قرن؟ الأرمن الذين عاشوا المأساة وورثوا قصص التهجير والمذابح، أم القوى الكبرى التي تزن الكلمات بميزان التوازنات مع أنقرة؟
تحليلات عدة شددت على أن مصطلح «الإبادة الجماعية» ليس مجرد وصف تاريخي، بل عنوان قانوني وأخلاقي يرتبط بالمسؤولية والمحاسبة والإنصاف، وأن التردد في استخدامه – أو التراجع بعد استخدامه – يعني عمليًا التهرب من مواجهة هذا الثقل الأخلاقي.
في السياق ذاته، يُذكّر محللون بأن فانس هو أول نائب رئيس أمريكي يزور أرمينيا رسميًا ويضع إكليلًا في النصب التذكاري، لكن رمزية هذه الخطوة أُضعفت بفعل «معركة الكلمات» على منصة «إكس»، وهو ما يبيّن كيف يمكن لمنشور واحد أن يعيد صياغة رسالة زيارة كاملة، وأن يكشف هشاشة الخط الفاصل بين الالتزام الأخلاقي والحسابات الاستراتيجية.
مع استمرار الجدل، يجد جيه دي فانس نفسه بين ضغطين: ضغط قاعدة جمهورية متشددة في الواقعية السياسية وحسابات التحالفات، وضغط رأي عام وحقوقي يرى أن ذاكرة الإبادة لا تُدار عبر فريق التواصل الاجتماعي، ولا تُمحى بزر «حذف» يراعي حساسية حليف على حساب دماء ما يقدر بنحو 1.5 مليون إنسان قُتلوا أو هُجّروا قبل أكثر من قرن.










