طهران، المنشر الاخباري | السبت 14 فبراير 2026، في ظل أمواج متلاطمة من التهديدات الخارجية والاضطرابات الداخلية، كشفت التعيينات الأخيرة للمرشد الإيراني آية الله علي خامنئي عن نمط استراتيجي واضح وهو العودة إلى “جيل التأسيس” في الحرس الثوري.
فبينما كان المتوقع تمكين جيل شاب، اختار خامنئي إعادة شخصيات مخضرمة مثل علي شمخاني وأحمد وحيدي إلى واجهة صنع القرار الأمني والعسكري، في ظل تصاعد أزمة التوترات مع ادارة الرئيس الامريكي دونالد ترامب، وتصاعد الغضب الشعبي بعد القمع الدموي لاحتجاجات يناير 2026، وهو ماي ادى ارتفاع غضب الضباط الصغار داخل الحرس الثوري والجيش الإيراني.
ويعكس هذا التوجه اعتمادا متزايدا على شخصيات ذات خلفية عسكرية طويلة في الحرس الثوري، تتمتع بسجل من الولاء المؤسسي والخبرة الأمنية، في مرحلة تشهد ضغوطا داخلية وخارجية غير مسبوقة.
سياق عودة شمخاني
شغل علي شمخاني، وهو أميرال سابق في الحرس الثوري، منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي بين عامي 2013 و2023. وفي مايو 2023، أعفي من منصبه ليحل محله علي أكبر أحمديان، وهو أيضا قيادي في الحرس الثوري.
خامنئي يحذر: أي حرب أمريكية ضد إيران ستشعل صراعا إقليميا واسعا
غير أن شمخاني عاد تدريجيا إلى المشهد السياسي من بوابة استشارية؛ إذ عين ممثلا للمرشد في مجلس الدفاع في أغسطس 2025، كما أصبح مستشارا سياسيا للمرشد وعضوا في مجلس تشخيص مصلحة النظام.

وتأتي هذه العودة بعد دوره البارز في المسار الدبلوماسي الذي أفضى إلى تحسين العلاقات الإيرانية – السعودية، وهو ما اعتبره بعض المراقبين “عودة ذات مغزى” لشخصية أمنية لعبت أدوارا مزدوجة بين الأمن والدبلوماسية.
صعود أحمد وحيدي
أما أحمد وحيدي، القائد السابق لفيلق القدس ووزير الدفاع والداخلية الأسبق، فقد عين في نوفمبر 2025 نائبا لرئيس أركان القوات المسلحة، قبل أن يرقى في ديسمبر من العام نفسه إلى نائب القائد العام للحرس الثوري، خلفا لعلي فدوي.

وصف هذا التعيين بأنه “استراتيجي وغير متوقع”، نظرا إلى سجل وحيدي الطويل في العمليات الخارجية والأمن الداخلي، بما في ذلك إدارة ملفات حساسة خلال فترات اضطرابات داخلية.
خامنئي يستدعي الرجل الحديدي.. ماذا وراء تعيين أحمد وحيدي نائباً لقائد الحرس الثوري؟
ينتمي شمخاني ووحيدي إلى الجيل الأقدم من قادة الحرس الثوري الذين تدرجوا في الرتب الثانية والثالثة خلال العقود الأولى بعد الثورة، وهو جيل لطالما استعان به خامنئي في المحطات الأمنية الحساسة.
لماذا يفضل خامنئي الجيل الأمني القديم؟
تحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية وتقارير إعلامية دولية تشير إلى عدة دوافع محتملة لهذا النمط من التعيينات، أبرزها تعزيز النهج الأمني والردع في ظل تصاعد التهديدات الخارجية – من العقوبات والهجمات السيبرانية إلى استهداف قادة عسكريين – إضافة إلى موجات الاحتجاج الداخلية بين 2022 و2025، يبدو أن خامنئي يفضل القيادات ذات الخبرة الميدانية الطويلة لتعزيز الجاهزية العسكرية ومنظومة الردع.

هروب القيادة وغياب الثقة.. خامنئي يسلم مفاتيح النظام لجنرالات الحرس الثوري
وأيضا تبرز الثقة في الولاء المؤسسي قبل المهنية، حيث يميل خامئي إلى اختيار شخصيات معروفة بولائها المؤكد وبسجل طويل داخل المؤسسة الأمنية، وينظر إلى هذا التوجه كوسيلة لتقليص احتمالات التباينات الداخلية، خصوصا في بيئة سياسية وأمنية مضطربة.
وتزامنت هذه التعيينات مع تكهنات حول ترتيبات ما بعد خامنئي، في ظل تقدمه في السن وتزايد الحديث عن سيناريوهات الخلافة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المحللين أن الاعتماد على قيادات أمنية مخضرمة يعكس سعيا لضمان استقرار المؤسسة العسكرية ومنع أي تصدعات داخلية.

الحذر من الجيل الأصغر
تشير بعض التحليلات إلى وجود تحفظ داخل دوائر القرار تجاه بعض القيادات الشابة في الحرس الثوري، سواء بسبب الطموحات السياسية أو التغيرات الاجتماعية المتسارعة داخل البلاد. ومن ثم، قد ينظر إلى الجيل الأقدم باعتباره أكثر انضباطا وأقل ميلا للمغامرة السياسية.
بشهادة “مخترقة” لمكتبه.. ادعاءات “صادمة” حول ميول خامنئي الجنسية تفجر غضب الحرس الثوري
وتشير تقارير إيرانية معارضة إلى أن جهاز حماية الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني، وهو الهيئة المسؤولة عن الرقابة الأمنية الداخلية، أرسل في الأسابيع الأخيرة توجيهات سرية إلى قادة وضباط الحرس الثوري تحذرهم من أن أي رفض لتنفيذ الأوامر بقمع الاحتجاجات، سواء من رؤسائهم المباشرين أو من المجلس الأعلى للأمن القومي، سيقابل بعقاب شديد.

وبحسب هذه التوجيهات، يقبض على المخالفين فورا ويحالون إلى محاكم عسكرية خاصة. وتؤكد الأوامر أن العصيان قد يؤدي إلى أشد العقوبات، لا سيما في ظل تصوير البلاد على أنها على شفا اشتباكات مدنية واسعة النطاق أو حرب أهلية.
وفي وقت سابق دعا رضا بهلوي، ولي العهد المنفي وزعيم االتيار الملكي الضباط في الجيش الإيراني إلى الانشقاق والانضمام إلى المحتجين، كما زعم أن 50 ألفا من العسكريين وعناصر الأمن أعلنوا ولاءهم له.

خلال قمع احتجاجات يناير الماضي، لم يكتف الجيش برفع حالة التأهب القتالي إلى أقصى حد، بل تولى أيضا مسؤولية تأمين المواقع الحساسة، مما مكن الحرس الثوري الإيراني من مواجهة المتظاهرين بكل قوة. وقد حذر أمير حاتمي، القائد العام للجيش الإيراني، مؤخرا المتظاهرين، الذين اتهمهم بمحاولة إشعال فتيل نزاع مسلح، من أنهم سيسحقون بشدة.
رضا بهلوي: 50 ألفا من الجيش الإيراني مستعدون لإسقاط نظام خامنئي
في حين يقدر عدد أعضاء الحرس الثوري الإيراني بحوالي 290 ألف عضو، وعدد قوات الباسيج النشطة بحوالي 700 ألف، فإن المسؤولية الأساسية عن قمع الاحتجاجات في الحالات الحادة تقع على عاتق وحدات النخبة في الحرس الثوري الإيراني مثل ثر الله، وأنصار المهدي، وولي عمرو، إلى جانب استخبارات الحرس الثوري، ووزارة الاستخبارات، ووحدات استخبارات الشرطة، ولواء القضاء، ووحدات مكافحة الشغب، وقوات مكافحة الإرهاب الخاصة.

نمط أوسع لإعادة هندسة السلطة
لا تقتصر هذه السياسة على شمخاني ووحيدي فحسب، بل تمتد إلى تعيينات أخرى في المجلس الأعلى للأمن القومي ومؤسسات استراتيجية، ما يعكس توجها عاما نحو “تحصين المنظومة” عبر إعادة تدوير شخصيات أمنية تقليدية.
ويرى مراقبون أن هذا المسار يعكس أولوية “الاستقرار الأمني” على حساب الانفتاح السياسي، ويظهر محاولة واضحة من خامنئي لتوطيد مركز القرار في السنوات الأخيرة من حكمه، في مواجهة ضغوط داخلية متنامية وبيئة إقليمية شديدة التعقيد.
في المحصلة، تبدو إعادة تدوير الوجوه الأمنية القديمة أقل ارتباطا بعامل واحد محدد، وأكثر تعبيرا عن مزيج من اعتبارات الردع، والولاء، وإدارة المخاطر في مرحلة يراها النظام مفصلية لمستقبله السياسي.











