تتصدر أزمة المحامية والحقوقية المصرية نهاد أبو القمصان مع الداعية عبدالله رشدي واجهة الجدل الديني والمجتمعي في مصر خلال الأسابيع الأخيرة، بعدما صعّدت أبو القمصان لهجتها مطالِبةً بمراجعة الخطاب الديني الذي يقدمه رشدي، ومعتبرةً أن اسمه بات حاضرًا في كل قضية عنف وكراهية ضد النساء.
في المقابل، رد عبدالله رشدي بتأكيد أنه “شوكة في حلوق أهل الضلال” وأنه يكرّس جهده لمواجهة ما يراه “خطابًا باطلًا”، ما حول الخلاف إلى صراع مفتوح بين رؤيتين متناقضتين للدين والمرأة والمجتمع.
بداية الأزمة وتجدد الاشتباك الإعلامي
الأزمة بين الطرفين ليست جديدة، لكنها عادت للواجهة مؤخراً مع موجة تصريحات أدلت بها نهاد أبو القمصان في برامج تليفزيونية ومداخلات هاتفية، انتقدت فيها بشدة خطاب بعض الدعاة، وعلى رأسهم مبروك عطية وعبدالله رشدي.
أبو القمصان قالت إن هذا الخطاب “يحرض على الفتن”، واعتبرت أنه يصل إلى درجة “العبث” ويتضمن دعوة غير مباشرة للعنف ضد النساء، متهمة هؤلاء الدعاة بـ“التنطع على الدين” وتقديم نموذج عدائي يشجع الكراهية والتمييز.
في تصريحات متداولة على منصات التواصل، خاطبت أبو القمصان عبدالله رشدي قائلة: “ماذا بينك وبين الله لتكون مذكورًا في كل مصيبة؟ راجع نفسك لأن اسمك بقى منور في كل جرائم العنف والكراهية”.
هذه العبارة انتشرت على نطاق واسع، واعتبرها أنصار رشدي تجاوزًا شخصيًا وتشهيرًا، بينما رآها مؤيدو أبو القمصان تعبيرًا عن غضب قطاع من النساء من الخطاب الديني الذي يربط التدين بالسيطرة على المرأة وتقييد حضورها في المجال العام.
خلفيات الخلاف: من قضايا المرأة إلى ساحات القضاءالخلاف بين الجانبين تراكم على مدار سنوات، مع كل قضية رأي عام تتعلق بالعنف ضد النساء أو قضايا الأحوال الشخصية.
نهاد أبو القمصان، بصفتها رئيسة المركز المصري لحقوق المرأة ومحامية بالنقض، اعتادت انتقاد فتاوى وتصريحات ترى أنها تبرر العنف أو تبرئ المعتدين، أو تقلل من شأن عمل المرأة ودورها الاقتصادي والاجتماعي.
في المقابل، يقدّم عبدالله رشدي نفسه كمدافع عن “التفسير التقليدي للنصوص الشرعية” ويرى أن خصومه يحاولون “طمس ثوابت الدين تحت لافتة حقوق المرأة والحداثة”.
سبق لأبو القمصان أن أعلنت – في مناسبات سابقة – عن تحريك بلاغات للنائب العام ضد عبدالله رشدي، على خلفية ما اعتبرته “إهانة للمرأة وتحقيرًا من شأنها” في حديثه عن عملها ودورها داخل الأسرة.
وفي أزمات أخرى، كما في قضية طالبة المنصورة أو قضايا تحرش وعنف، اتهمت أبو القمصان بعض الوجوه الدينية بالتواطؤ مع خطاب يلوم الضحية بدلاً من الجاني.
هذه الخلفية القانونية والحقوقية من جانبها جعلت أي تصريح جديد تصدره تجاه رشدي يأخذ طابع “المرافعة” ضد خطاب ديني مؤثر على شريحة واسعة من الجمهور.
رد عبدالله رشدي: “شوكة في حلوق أهل الضلال”عبدالله رشدي لم يلتزم الصمت، بل رد عبر منشورات على فيسبوك وتدوينات نقلتها منصات إخبارية، قال فيها إن بعض الصالحين دعوا له أن يكون “شوكة في حلوق أهل الضلال”، مؤكدًا أنه يكرّس جهده لـ“فلّ أهل الباطل” وتفكيك ما يراه شبهات تُثار حول الدين.
هذا الرد حمل رسالة واضحة بأن الداعية يرى نفسه في موقع “حارس العقيدة” أمام ما يصفه بـ“محاولات التغريب”، واضعًا خصومه ضمن معسكر “أهل الباطل”، في تلميح واضح وإن لم يسمهم مباشرة.
أنصار رشدي اعتبروا أن أبو القمصان تستهدفه لأنه لا يساير خطاب “النسوية الراديكالية” – وفق وصف بعضهم – وأن مواقفه من قضايا مثل الحجاب وعمل المرأة والولاية الشرعية تتوافق مع فتاوى تقليدية راسخة.
في المقابل، يرى خصومه أن هذا الخطاب يعيد إنتاج نظرة دونية للمرأة ويصطدم بواقع اقتصادي يفرض مشاركة النساء في سوق العمل، كما أنه يغذي التوتر داخل الأسرة المصرية ويمنح غطاءً دينيًا لممارسات تمييزية.
أبعاد اجتماعية وإعلامية للأزمة
الأزمة بين نهاد أبو القمصان وعبدالله رشدي تجاوزت شخصين إلى ما يشبه “معركة رمزية” بين تيارين في المجتمع المصري: تيار حقوقي يدافع عن تحديث قوانين الأسرة وتمكين النساء، وتيار ديني محافظ يخشى من أن تتحول هذه المطالب إلى تغيير في بنية المجتمع والقيم.
الإعلام لعب دورًا في تضخيم المواجهة، إذ يتم استضافة كل طرف – أو من يمثل موقفه – في برامج “التوك شو”، ويتم اقتطاع العبارات الأكثر حدّة لتتصدر العناوين والـ“ترند”، ما يرفع منسوب الاستقطاب بدلًا من النقاش الهادئ.
كما أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة موازية للمحاكم؛ يتم فيها تداول الاتهامات والتسجيلات واللقطات المجتزأة، وتتشكل “لجان إلكترونية” مؤيدة لهذا الطرف أو ذاك، وهو ما حذرت منه أبو القمصان نفسها معتبرةً أن هناك “حربًا إلكترونية لتدمير المجتمع المصري بخطاب ديني مزيف ومزور، سيتم مواجهتها بالقانون”.
موقف المؤسسات الدينية والقانونية
حتى الآن، لا توجد بيانات تفصيلية معلنة من الأزهر أو دار الإفتاء حول الأزمة الأخيرة تحديدًا بين أبو القمصان ورشدي، لكن سوابق سحب الترخيص بالخطابة أو تقييد الظهور الإعلامي لبعض الدعاة أثارت تساؤلات حول حدود رقابة المؤسسات الرسمية على الخطاب الديني في الإعلام.
في الوقت ذاته، تستند أبو القمصان إلى القانون المدني والجنائي في دعواتها لمحاسبة “كل من يروّج لخطاب كراهية أو يحرض على العنف”، مؤكدة أن حرية التعبير لا تبرر التحريض أو إهانة نصف المجتمع.
من ناحية أخرى، تفتح الأزمة الباب أمام نقاش أوسع حول ضرورة وجود مدونات سلوك إعلامية تنظّم استضافة الشخصيات الدينية والحقوقية، وتضع ضوابط للمحتوى المتعلق بقضايا المرأة والعنف الأسري، بما يقلل من الاستقطاب ويحافظ في الوقت نفسه على حرية النقاش العام.
إلى أين تتجه الأزمة؟
من غير المتوقع أن تهدأ المواجهة في المدى القريب، لأن جذورها متشابكة مع ملفات ساخنة مثل تعديلات قوانين الأحوال الشخصية، وارتفاع معدلات الطلاق والعنف الأسري، والجدل حول دور الدين في المجال العام.
بالنسبة لكثيرين، نهاد أبو القمصان تمثل صوتًا حقوقيًا “يصوّب” الخطاب الديني من منظور المساواة بين الجنسين، بينما يرى آخرون في عبدالله رشدي رمزًا لخطاب “يدافع عن ثوابت الشريعة” في مواجهة ما يعتبرونه موجة علمانية.
في ظل هذا الاستقطاب، يظل المواطن العادي – خاصة النساء الشابات – في قلب المعركة، بين رسائل متناقضة حول حقهن في العمل والاستقلال والاختيار، وبين خطاب ديني يطالبهن بالالتزام بنموذج تقليدي للأسرة، وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية متزايدة.
هكذا تتحول أزمة بين محامية وداعية إلى مرآة حادة تعكس أسئلة أعمق عن شكل المجتمع المصري في السنوات المقبلة، وحدود التجديد الديني والتغيير الاجتماعي.










