البلاد تتجه نحو تشكيل الحكومة التاسعة بعد سقوط صدام حسين، وسط انقسامات داخل التيار الشيعي وضغوط أمريكية وإيرانية، مع بروز أسماء بديلة أقل إثارة للجدل في ظل مخاوف من انعكاسات اقتصادية وسياسية حادة.
بغداد – المنشر الإخبارى
الأزمة السياسية: المالكي في قلب الانقسام
بعد نحو 23 عاماً على سقوط نظام صدام حسين، يجد العراق نفسه مرة أخرى أمام تحدٍ لتشكيل حكومة جديدة، التاسعة في عصر ما بعد 2003. هذه المرة، لا تعود الأزمة فقط إلى التفاوض بين الأحزاب، بل تتداخل مع انقسامات داخل التيار الشيعي، ضغوط أمريكية، مخاوف من عقوبات اقتصادية، وتوتر دائم بين واشنطن وطهران.
عودة نوري المالكي، الذي تولى رئاسة الحكومة بين 2006 و2014، إلى المشهد السياسي تثير الانقسامات. المالكي شخصية قوية ومثيرة للجدل، ويطمح اليوم في ولاية ثالثة، مما يضاعف التعقيدات السياسية في العراق.
التوازن الطائفي والسيطرة الشيعية
النظام السياسي العراقي بعد غزو 2003 يقوم على توازن طائفي غير مكتوب: رئيس الوزراء من الشيعة، يشكلون نحو 60% من السكان، بينما تُسند رئاسة الجمهورية تقليدياً إلى كردي، ورئاسة البرلمان لسني.
الشيعة، الذين كانوا مهمشين تاريخياً تحت حكم صدام حسين، أصبحوا القوة السياسية الأساسية، لكن التيار الشيعي نفسه منقسم بين ميول قريبة من إيران وأخرى أكثر واقعية في التعامل مع الولايات المتحدة. هذه الانقسامات تحدد اليوم مستقبل الحكومة الجديدة.
خيارات بديلة وخطة “ب”
أيد في البداية معظم “إطار التنسيق” ترشيح المالكي، إلا أن دعماً أمريكياً مشروطاً وإشارات لقيود مالية جعلت بعض القوى الشيعية تعيد النظر في دعمها له. العراق يعتمد على الدولار والأنظمة المصرفية الدولية، وأي توتر مع واشنطن قد يؤدي إلى قيود مالية مباشرة.
في المقابل، بدأت الأسماء البديلة بالظهور، مثل وزير الصحة صالح الحسناوي ومدير وكالة الأمن الوطني أبو علي البصري، كشخصيات أقل استقطاباً. بعض الأحزاب طرحت حتى إمكانية حل البرلمان أو تمديد عمل الحكومة الحالية عبر تشريعات استثنائية لضمان التمويل، وهو ما يراه النقاد تجاوزاً للدستور.
البعد الإقليمي وتأثير واشنطن وطهران
موقع العراق الجغرافي يجعله حساساً للغاية: حدود مع إيران وسوريا وتركيا ودول الخليج، ويشكل أرض مواجهة غير مباشرة بين واشنطن وطهران. كثير من المراقبين في بغداد يعتبرون أن نتائج التوترات بين البلدين ستؤثر مباشرة على تشكيل الحكومة.
القيادة الشيعية، رغم قربها من إيران، مضطرة لموازنة الواقع الاقتصادي المرتبط بالولايات المتحدة والأسواق الغربية، خصوصاً أن العراق يعتمد على صادرات النفط بالدولار. هذه الموازنة بين السياسة الإيرانية والاقتصاد الأمريكي تزيد من الحذر والانقسامات الداخلية.
الرأي العام: قلق مستمر
الشعب العراقي يراقب المشهد بعين متشككة بعد تسع حكومات في عقدين، حيث يشير محللون إلى أن المشكلة لا تكمن في اسم رئيس الوزراء القادم فقط، بل في هيكل النظام السياسي نفسه: اعتماد مفرط على النفط، شبكات مصالح متجذرة، ميليشيات مسلحة ذات تأثير سياسي، ومؤسسات هشة.
تسمية رئيس الوزراء الجديد ليست مجرد إجراء شكلي، بل اختبار لقدرة العراق على إدارة انقسامات الداخل دون الانجرار إلى صراعات خارجية. الحكومة التاسعة ستتشكل في ظل شيعة منقسمين وضغوط دولية مستمرة، ما يجعل الأزمة السياسية الراهنة حرجة للغاية.










