شركاء حين تضرب أمريكا.. وخصوم في سوريا والعراق: الوجه المزدوج لعلاقة أنقرة وطهران
إيران وتركيا في 2026 تمضيان في «زواج مصلحة» معقّد؛ تعاون دبلوماسي واقتصادي وأمني تفرضه الجغرافيا وضغوط التوتر الإيراني–الأمريكي، لكنه مغمور بتنافس حاد على النفوذ في سوريا والعراق والطاقة يقترب أحيانًا من حافة الصدام.
دبلوماسية الإطفاء: أنقرة وسيط اضطراري بين طهران وواشنطنمع مطلع 2026 برزت تركيا كأحد أهم الوسطاء الإقليميين في محاولة تجنب ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران، مستفيدة من علاقاتها المفتوحة مع كلٍّ من طهران وواشنطن.
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي توجّه إلى أنقرة في زيارة طارئة نهاية يناير، ناقش خلالها مع نظيره التركي هاكان فيدان سبل إدارة التوتر مع الولايات المتحدة، في ظل تهديدات متزايدة بعمل عسكري قد يزعزع استقرار المنطقة.
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان طرح مبادرة دبلوماسية لاستضافة لقاء ثلاثي عبر الفيديو يضم ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في محاولة لوضع «شبكة أمان» سياسية قبل انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مفتوحة.
وفي البيانات الرسمية الصادرة عن أنقرة، شددت تركيا على أن أمن إيران واستقرارها «ذو أهمية كبيرة» لها، محذرة من أن أي هجوم عسكري سيخلق مخاطر على مستوى عالمي، بما في ذلك موجات لجوء جديدة عبر الحدود المشتركة البالغ طولها أكثر من 500 كلم.
اقتصاد وطاقة: تعاون مفروض بالمصالح
رغم التوترات السياسية، يواصل البلدان بناء شبكة تعاون اقتصادي واسعة، خصوصًا في ظل سعي تركيا لمواجهة أزماتها الداخلية والارتقاء بدورها كمركز إقليمي للطاقة.
الاجتماع التاسع والعشرون للجنة الاقتصادية المشتركة في 2024 انتهى إلى مذكرة تفاهم لرفع حجم التجارة الثنائية إلى 30 مليار دولار خلال خمس سنوات، في رسالة تؤكد أن طهران وأنقرة ترَيان في الاقتصاد صمام أمان لعلاقاتهما المتقلّبة.
تركيا من جانبها تطلق خطة طاقة طموحة تشمل زيادة إنتاج النفط والغاز، تشغيل أول محطة نووية، وتوسيع مشاريع الاستكشاف في العراق وسوريا، ما يضعها في تداخل مباشر مع دوائر النفوذ الإيرانية في المنطقة.
إيران، المحاصرة بالعقوبات، تنظر إلى السوق التركية وطرقها وخطوط أنابيبها بوصفها رئة حيوية لتخفيف الضغط الغربي، في حين ترى تركيا في الغاز والنفط الإيرانيين مصدرًا مهمًا لتعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الموردين الآخرين.
سوريا والعراق: التنافس على الخرائط الجديدة
في الملفين السوري والعراقي، يتجلى بوضوح نمط «التعاون داخل التنافس»، إذ يتقاطع البلدان في بعض المصالح الأمنية بينما يتنازعان مساحات النفوذ على الأرض
تركيا تعتمد عقيدة «الدفاع المتقدم» أو الأمن العابر للحدود، وتكثّف عملياتها في شمال سوريا والعراق بحجة مكافحة التنظيمات الكردية، ما يصطدم أحيانًا بشبكة الحلفاء التي بنتها إيران هناك عبر ميليشياتها ونفوذها السياسي.
انهيار نظام الأسد في أواخر 2024 – وفق بعض التحليلات – أعاد رسم قواعد اللعبة، إذ اعتُبر ضربة لمحور إيران، وفي الوقت نفسه منح تركيا أفضلية في ترتيب الكيان السياسي والأمني الجديد في سوريا، بما يفتح بابًا واسعًا لتنافس نفوذ مع طهران.
مع ذلك، تدرك كلتا الدولتين أن الانفجار المفتوح بينهما سيضر بمصالحهما الاستراتيجية، لذا يجري احتواء الخلافات عبر تفاهمات أمنية موضعية، خصوصًا في ملف ضبط الحدود ومنع تدفقات المقاتلين واللاجئين.
شراكة اضطرار أم تنافس يقترب من الصدام؟التشخيص السائد في مراكز الفكر أن العلاقات التركية–الإيرانية يحكمها منطق براغماتي: لا صداقة كاملة ولا عداء كامل، بل مزيج متقلب من التعاون والخصومة تُحدده المصالح في كل ملف على حدة.
خبراء يصفون هذه المعادلة بأنها «تعاون داخل التنافس»؛ فكلٌّ من أنقرة وطهران يحتاج إلى الآخر، وفي الوقت ذاته يخشى توسعه في ساحات النفوذ المشتركة، من سوريا والعراق إلى قضايا الطاقة والممرات التجارية.
عام 2026 يضغط على الطرفين بسلسلة أزمات متداخلة: ضغوط اقتصادية وعقوبات على إيران، حاجة تركية لأسواق وممرات جديدة، توتر متصاعد بين طهران وواشنطن، وحرب باردة مع قوى إقليمية أخرى، ما يجعل الشراكة بينهما أقرب إلى «شراكة اضطرار» منها إلى تحالف استراتيجي مستقر.
لكن في المقابل، كل خطوة عسكرية تركية في الشمال السوري أو العراقي، وكل تصعيد إيراني بالوكالة في المنطقة، يقرّب البلدين خطوة إضافية من حافة صدام غير مرغوب فيه، قد يبدأ بحرب نفوذ باردة وينتهي بمواجهة أمنية محدودة، إذا فشلت التفاهمات الهشة في الصمود أمام عواصف 2026.










