الخطط الأمريكية لتشكيل قوة أمنية في غزة من ميليشيات معادية لحماس تثير المخاوف الداخلية والدولية
واشنطن- المنشر الإخبارى
كشفت مصادر سياسية وحقوقية بريطانية اليوم أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكف على وضع خطة لتشكيل قوة أمنية في قطاع غزة تعتمد على ميليشيات محلية وعشائر مسلحة مناوئة لحكم حركة حماس، التي تسيطر على القطاع منذ عام 2007. وتهدف هذه الخطوة المعلنة إلى إعادة ترتيب الوضع الأمني بعد الحرب الأخيرة، وضمان وجود قوة مسلحة تابعة للغرب، قادرة على مراقبة المعابر، وتأمين مناطق معينة، وتطبيق ما يسمى “خطة السلام الأمريكية”.
ورغم أن الإدارة الأمريكية وصفت هذا المشروع بأنه خطوة ضرورية لتحقيق الاستقرار المؤقت في غزة، إلا أن خبراء حقوقيين وسياسيين يرفضون هذا التوجه، معتبرينه محفوفًا بمخاطر الانفلات الأمني، وتشجيع الصراعات الداخلية بين الفصائل والعشائر، وتقويض أي مشروع إعادة إعمار مدني مستدام.
التفاصيل الميدانية والخطط الأمريكية:
بحسب المصادر، تخطط الإدارة الأمريكية لتشكيل قوة أمنية جديدة تضم عناصر من العشائر الفلسطينية المسلحة، التي تلقت دعمًا وتسليحًا من إسرائيل منذ حرب أكتوبر 2023، بهدف استخدامهم كجزء من قوة سلام مدعومة أمريكيًا. وتشتمل الخطة على تجنيد أعضاء ميليشيات محلية قُدمت لهم أدوار محددة في الرقابة، التحقيق، وتأمين المعابر بين القطاع ومصر، بالإضافة إلى بعض المناطق الحيوية داخل غزة.
وتشير المعلومات إلى أن هذه الخطوة واجهت اعتراضًا واسعًا من كبار القادة العسكريين الأمريكيين الذين اعتبروا أن نجاح الخطة لن يكون ممكنًا إلا في حال وجود شركاء أمنيين موثوق بهم، وهو ما يُشكك فيه تاريخ هذه العشائر بسبب تورط بعضها في عمليات نهب المساعدات، والقتل، والاختطاف، وحتى التعاون مع تنظيم داعش سابقًا.
وتُظهر تقارير محلية أن هذه الميليشيات غير موثوقة على المستوى الشعبي، حيث يراها غالبية سكان غزة أدوات للاحتلال الإسرائيلي، ويخشون أن تتحول هذه القوات لاحقًا إلى مصدر تهديد مباشر لهم، بدلاً من أن تكون عنصر حماية وأمن.
الآثار المحتملة على الأمن والاستقرار الداخلي:
1. انفلات أمني محتمل:
تمكين ميليشيات مسلحة مناهضة لحماس في قطاع مكتظ بالسكان، قد يؤدي إلى صراعات دموية بين العشائر، وتصفيات ميدانية، خصوصًا في المناطق التي تتداخل فيها مصالح الفصائل المختلفة.
2. تراجع الثقة الشعبية:
نظرًا لارتباط هذه الميليشيات تاريخيًا بالجريمة المنظمة ونهب المساعدات وارتكاب جرائم ضد المدنيين، فإن وجودها كجزء من قوة رسمية قد يزيد الاحتقان الشعبي، ويحول أي تحرك أمني إلى مواجهة محتملة مع السكان المحليين.
3. تأثير سلبي على إعادة الإعمار المدني:
مع سيطرة ميليشيات مسلحة على معابر رئيسية، سيكون من الصعب تنفيذ أي مشاريع إعادة إعمار مدنية أو تقديم المساعدات الإنسانية بشكل منظم وآمن.
4. تحديات في مراقبة سلاح الميليشيات:
تاريخيًا، مثل هذه المجموعات المسلحة التي تعمل بلا قيادة مركزية موحدة غالبًا ما تنقلب على نفسها أو على خصومها بمجرد حدوث خلاف على النفوذ أو الموارد، ما يزيد من احتمالية اندلاع صراعات داخلية جديدة.
الانتقادات الدولية والمحلية:
تتزامن الخطة الأمريكية مع تحذيرات من قادة عسكريين بريطانيين وفرنسيين، الذين حذروا من أن استخدام ميليشيات محلية بلا قيادة مركزية قد يحول غزة إلى “صومال جديدة”، حيث تتقاسم العصابات المحلية السيطرة على الأحياء، وتمنع أي عمليات إعادة إعمار أو عودة الحياة المدنية.
من جانب آخر، ترى منظمات حقوقية فلسطينية مثل “عدالة” و”جيشاه مسلك” أن الخطة تنتهك القانون الدولي وحقوق السكان، لأنها تجعل المدنيين هدفًا مباشرًا لميليشيات مسلحة تتلقى أسلحة ودعمًا من قوة احتلال، وهو ما يعقد الوضع الأمني ويزيد المخاطر على المدنيين.
التحديات القانونية والحقوقية:
1. انتهاك القوانين الدولية:
تعد الإجراءات التي تستهدف تشكيل قوة أمنية من ميليشيات غير رسمية مخالفة للالتزامات الدولية، بما فيها اتفاقيات جنيف واتفاقية مناهضة الفصل العنصري وميثاق روما.
2. غياب الشرعية الشعبية:
هذه القوات الجديدة لا تحظى بثقة السكان، ما يعني أن أي سلطة تمارسها ستكون محدودة ومهددة بالرفض الشعبي، وسيكون من الصعب دمجها ضمن هياكل حكم مدنية أو شرعية.
3. التأثير على العملية السياسية:
إشراك ميليشيات مسلحة ذات مصالح شخصية وتاريخية في السياسة الأمنية قد يقوض أي محاولات للوصول إلى حل سياسي شامل أو تشكيل حكومة فلسطينية مستقرة.
البدائل المطروحة:
تشير التحليلات إلى وجود عدة بدائل لتجنب الاعتماد على هذه الميليشيات، أبرزها:
1. قوة الاستقرار الدولية (ISF):
اعتمدها مجلس الأمن الدولي في نوفمبر 2025 كخيار استراتيجي لإنهاء الفراغ الأمني، وتعد الخيار الأكثر قبولًا دوليًا لإنهاء الاعتماد على مجموعات محلية مسلحة.
2. إعادة بناء مؤسسات الأمن الفلسطينية:
التركيز على تدريب وتأهيل قوات الشرطة التابعة للسلطة الفلسطينية، مع دمج عناصر محلية مقبولة شعبيًا ضمن برنامج إصلاحي شامل، وإشراف دولي مؤقت لضمان حيادها وكفاءتها.
3. المرحلة الانتقالية:
الوصاية الدولية بقيادة أمريكية غير مباشرة بين 2026–2027 يمكن أن تضمن تأسيس جهاز أمني مركزي، ويتيح للسلطة الفلسطينية السيطرة على الوضع الأمني بشكل تدريجي، بعيدًا عن الميليشيات المحلية.
التقييم النهائي:
تمثل خطة الإدارة الأمريكية لتشكيل قوة أمنية في غزة عبر ميليشيات محلية خطوة محفوفة بالمخاطر، فهي تزيد من احتمالية الانفلات الأمني، وتصعيد النزاعات الداخلية، وتحد من فرص إعادة الإعمار المدني.
في المقابل، توفر البدائل الدولية ومحاولة إعادة بناء المؤسسات الأمنية الفلسطينية إمكانية استقرار أفضل وأقوى شرعيًا، وتتيح للقطاع التقدم نحو السلام وإعادة الحياة المدنية الطبيعية، بعيدًا عن تدخل القوى الأجنبية والميليشيات المسلحة بلا رقابة.
إن إشراك ميليشيات محلية وعشائر مسلحة في إدارة الأمن في غزة قد يبدو حلاً مؤقتًا، لكنه على المدى الطويل يزيد المخاطر الاجتماعية والسياسية، ويعرض المدنيين لمزيد من الانتهاكات. الحل الأمثل يكمن في اعتماد خطة مؤسساتية موحدة، مدعومة دوليًا، تركز على بناء قدرات السلطة الفلسطينية الشرعية، وتمنح القطاع فرصة لتحقيق الاستقرار السياسي والأمني بعيدًا عن النفوذ الخارجي والتدخلات المباشرة من قبل القوى الأجنبية.










