النيل لم يعد مجرد نهر: خط أحمر وجودي لمصر
القاهرة- المنشر الإخباري
نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” الإسرائيلية يوم 19 فبراير 2026 تحليلًا مطولًا أكدت فيه أن نهر النيل لم يعد مجرد مورد مائي يُدار، بل أصبح خطًا أحمر وجوديًا لمصر مرتبطًا مباشرة بالأمن البحري للبحر الأحمر واستقرار حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله.
ويشير التحليل إلى أن القاهرة لم تعد تركز فقط على الجوانب الفنية لسد النهضة الإثيوبي، بل انتقلت إلى نموذج استراتيجي شامل يضع الأمن والسيادة الوطنية في المقام الأول. إذ ترى مصر أن السيطرة الإثيوبية على تدفق مياه النيل تمثل تهديدًا مباشرًا لاستقرار الدولة، لا سيما خلال فترات الجفاف الممتدة، والتي قد تؤدي إلى أزمات غذائية ومجتمعية حادة تؤثر على الملايين.
وفي هذا الإطار، يرى الخبراء أن السد الإثيوبي أصبح أداة ضغط جيوسياسي مباشرة على مصر، وهو ما دفع القيادة المصرية إلى التعامل معه ليس كمسألة هيدرولوجية فحسب، بل كعامل رئيسي في صياغة الاستراتيجية الكبرى للأمن القومي.
قمة الاتحاد الأفريقي: فرصة تطبيع تتحول إلى بؤرة توتر
كان من المفترض أن تشكل قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا هذا الشهر مناسبة للاحتفال بالتكامل الإقليمي، إلا أنها تحولت، وفق التحليل الإسرائيلي، إلى خلفية لترسيخ أخطر بؤرة توتر جيوسياسي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
استغلت إثيوبيا موقعها كدولة مضيفة لتطبيع مشروع سد النهضة الكبير، وهو ما اعتبرته مصر تهديدًا مباشرًا لمصالحها المائية والأمنية. وأصبح واضحًا أن القاهرة تتابع التطورات الإقليمية عن كثب، مع التركيز على البُعد البحري والأمني للبحر الأحمر.
الأمن البحري للبحر الأحمر: المعركة الاستراتيجية
يبرز التحليل الإسرائيلي الدور المصري في حماية الممرات البحرية الاستراتيجية، مؤكدًا أن أي تحرك إثيوبي أو إسرائيلي يؤثر على المنطقة سيقابل بتشديد الإجراءات الأمنية حول منابع النيل والموانئ الحيوية.
وتشير التقارير إلى أن القاهرة قد شكلت تحالفًا ثلاثيًا جديدًا مع الصومال وإريتريا لتعزيز وجودها في القرن الأفريقي، إضافة إلى نشر قوات ضمن بعثات دعم واستقرار الاتحاد الأفريقي في الصومال. وهذه الخطوة تُعتبر تغييرًا واضحًا للخط الأحمر المصري، الذي بات يربط الأمن المائي مباشرة بالأمن البحري والسيادة الوطنية.
العلاقات الإسرائيلية-الإثيوبية: نفوذ مقلق لمصر
تثير العلاقات الوثيقة بين إسرائيل وإثيوبيا قلق القيادة المصرية، خاصة في ظل تزويد إسرائيل إثيوبيا بأنظمة دفاع جوي لحماية موقع السد. ويعتبر المراقبون أن هذه الخطوة تحاول إضعاف الموقف المصري التاريخي في مياه النيل.
ويشير التحليل إلى أن إسرائيل تسعى لتحويل أزمة المياه إلى أداة لتعميق التطبيع وتحويلها إلى مشاريع تعاون إقليمي، مستغلة علاقتها مع إثيوبيا لتعزيز نفوذها في حوض النيل، سواء كداعم تقني أو كوسيط محتمل عند تصاعد الأزمات.
وتلفت الصحيفة إلى أن هذه العلاقة المزدوجة، بين الدعم التقني والتحالف الاستراتيجي، تجعل من إسرائيل رقمًا صعبًا في معادلة الأمن المائي المصري، وتزيد من تحديات القاهرة في حماية مواردها الحيوية.
الضغوط الداخلية: شح المياه والتحديات الاجتماعية
تشير التقارير إلى أن مصر تواجه أزمة مياه حادة، إذ انخفض نصيب الفرد إلى أقل من 500 متر مكعب سنويًا، وهو ما يمثل خطرًا مباشرًا على الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وتؤكد الصحيفة أن أي تقصير في حماية النيل قد يؤدي إلى فتنة داخلية، في ظل التراجع الزراعي الذي قد يعيد إحياء مظالم قديمة ضد الدولة. وتأتي هذه التحديات في وقت يواجه فيه القطاع الزراعي المصري ضغوطًا إضافية بسبب النزوح في غزة وسيناء، ما يعكس تعقيدات الاستراتيجية المصرية متعددة الجبهات.
الحلول التكنولوجية والمائية
تشير المصادر الإسرائيلية إلى أن مصر وإثيوبيا تعملان على نقل تكنولوجيات متقدمة في مجال تحلية المياه والري بالتنقيط لمواجهة ندرة المياه. وتعتبر هذه المبادرات جزءًا من استراتيجية القاهرة الكبرى لضمان الاستقرار الداخلي والإقليمي، في مواجهة التحديات الإثيوبية والتحولات في الأمن البحري.
وتتضمن هذه الحلول أيضًا مشروعات لتخزين المياه وإعادة استخدامها، لضمان استمرار تدفق مياه النيل خلال فترات الجفاف، بما يضمن أمن مصر المائي والاقتصادي.
النيل: سلاح استراتيجي وفتيل إقليمي
توضح التحليلات أن مصر ترى النيل سلاحًا استراتيجيًا يتحرك ببطء، وأن أي تحكم إثيوبي بالمياه سيواجه ردود فعل مصرية صارمة.
ويضيف التحليل أن السيطرة على الممرات البحرية في البحر الأحمر تعتبر جزءًا من استراتيجية القاهرة لحماية مصالحها الإقليمية ومكانتها الدولية، خاصة في ظل التحديات الإقليمية المتعددة، بما في ذلك التطورات في القرن الأفريقي وإثيوبيا وصوماليلاند.
القاهرة تواجه اختبارًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد
تلخص الصحيفة الإسرائيلية التحديات المصرية في ثلاثة محاور رئيسية:
1. الحفاظ على الأمن المائي: حماية موارد النيل من الهيمنة الإثيوبية، وضمان استقرار تدفق المياه.
2. الأمن البحري والسيطرة على الممرات الحيوية: منع أي محاولة للتأثير على الممرات البحرية للبحر الأحمر.
3. الاستقرار الداخلي: إدارة أزمة المياه والتحديات الزراعية والضغط الاجتماعي، للحفاظ على شرعية الدولة واستقرارها الداخلي.
وتؤكد الصحيفة أن أي فشل في إدارة هذه الملفات قد يؤدي إلى أزمات داخلية وخارجية، تشمل النزوح والاضطرابات الاجتماعية، وتضعف قدرة الدولة على حماية مواردها الحيوية.
تقييم الاستراتيجية المصرية الكبرى
يشير التحليل إلى أن مصر اتخذت مزيجًا من التحرك الدبلوماسي والعسكري والتقني لضمان أمنها المائي، وتعمل على بناء تحالفات استراتيجية في القرن الأفريقي، وتطوير حلول تكنولوجية متقدمة، لضمان استمرار تدفق مياه النيل والحفاظ على الأمن القومي.
وتعتبر هذه الخطوات بمثابة رسالة واضحة للمجتمع الدولي وإثيوبيا وإسرائيل، مفادها أن مصر لن تتنازل عن حقها التاريخي في مياه النيل، وأن أي محاولة لإضعاف موقفها ستقابل ردًا صارمًا متعدد الأبعاد.
النيل بين سيادة مصر وأدوات النفوذ الإقليمي
يؤكد التحليل الإسرائيلي أن النيل لم يعد مجرد مورد مائي، بل أصبح محورًا لاستراتيجية مصر الكبرى في الشرق الأوسط. وأي تحكم إثيوبي بالمياه أو تعاون إسرائيلي-إثيوبي لن يُنظر إليه إلا كتهديد مباشر للأمن القومي المصري، ما يجعل النيل خطًا أحمر وجوديًا وحاسمًا في تحديد مستقبل الاستقرار الإقليمي.










