تعرف على قاعدة دييغو غارسيا.. القاعدة العسكرية التي قد تشعل مواجهة بين واشنطن وطهران
لندن – المنشر الإخبارى
في خطوة أثارت موجة من القلق الدولي، لوح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأربعاء 19 فبراير 2026، باستخدام قاعدة “دييغو غارسيا” العسكرية الاستراتيجية في المحيط الهندي، إلى جانب مطار “فايرفورد” البريطاني، لتوجيه ضربة محتملة ضد إيران. جاء ذلك في تدوينة على منصته “تروث سوشيال”، حيث حذر ترامب من أن “نظامًا إيرانيًا شديد الخطورة” قد يدفع الولايات المتحدة إلى التصرف إذا لم تُبرم طهران اتفاقًا نوويًا جديدًا. وصف الجزيرة بأنها “استراتيجية للغاية”، مطالبًا بريطانيا بعدم التفريط بها لصالح موريشيوس، في إشارة إلى نزاع قانوني طويل الأمد.
هذا التصريح ليس مجرد تهديد عابر؛ إنه يعكس تحولًا في السياسة الأمريكية تجاه إيران بعد إعادة انتخاب ترامب في نوفمبر 2024 وتنصيبه في يناير 2025. مع تصاعد الهجمات الحوثية المدعومة من طهران في البحر الأحمر، وتقدم برنامجها النووي، أصبحت دييغو غارسيا محورًا للجدل. في هذا التقرير الشامل، نستعرض تاريخ القاعدة، قدراتها العسكرية، السياق القانوني، ردود الفعل الدولية، والتداعيات على المنطقة العربية والعالم.
الخلفية التاريخية: من جزيرة هادئة إلى حصن عسكري
تقع جزيرة دييغو غارسيا في قلب المحيط الهندي، على بعد نحو 3,800 كيلومتر جنوب الهند، و1,800 كيلومتر شرق المالديف، و4,000 كيلومتر غرب إيران. هي أكبر جزر أرخبيل شاغوس، الذي يضم 64 جزيرة مرجانية على مساحة 60 كيلومتر مربع. كانت الجزيرة موطنًا لسكان الإيلويس، شعب كريولي من أصول أفريقية وهندية، يعيشون على صيد السمك والزراعة البسيطة.
في عام 1814، احتلت بريطانيا الجزر بعد هزيمة نابليون، وأدرجتها ضمن مستعمرة موريشيوس. لكن في 1965، مع اقتراب استقلال موريشيوس، فصلت لندن أرخبيل شاغوس عنها، معتبرة إياه “أرضًا ملكية بريطانية”. السبب كان صفقة سرية مع واشنطن، التي كانت تبحث عن قاعدة بحرية بعيدة عن الحروب الباردة. بين 1968 و1973، أُجبر حوالي 1,500 إلى 2,000 ساكن على الرحيل القسري إلى موريشيوس ومدغشقر، مقابل تعويضات زهيدة لم تُدفع كاملة حتى اليوم. استخدمت بريطانيا أساليب قاسية، مثل قطع الإمدادات وتفجير المنازل، مما وُصف لاحقًا بـ”التطهير العرقي” من قبل منظمات حقوقية.
بدأ بناء القاعدة في 1971، بتكلفة تجاوزت 15 مليار دولار على مدى عقود. منذ ذلك الحين، أصبحت “كامب جاستيس” رمزًا للقوة الأمريكية، مستضيفة آلاف الجنود والعمال المدنيين، معظمهم من الفلبين وموريشيوس. استخدمت في كل صراع كبير: حرب فيتنام (استخبارات)، حرب الخليج 1991 (إقلاع قاذفات B-52)، أفغانستان 2001 (غارات على طالبان)، والعراق 2003 (دعم لوجستي هائل). كما شُبهت بـ”غوانتانامو المحيط الهندي” بسبب شائعات عن سجون سرية للإرهابيين، رغم نفي واشنطن.
القدرات العسكرية: ذراع استراتيجي بعيد المدى
تُعد دييغو غارسيا واحدة من أهم القواعد الأمريكية خارج الحدود، بفضل موقعها المعزول الذي يجعلها آمنة من الصواريخ الباليستية.
المرافق الجوية
تحتوي القاعدة على مطار رئيسي بمسار 3,659 مترًا، قادر على استقبال أي طائرة: قاذفات B-52 Stratofortress، B-1 Lancer، B-2 Spirit الشبحية، وطائرات النقل العسكري C-17 Globemaster. في يناير 2026، نشرت الولايات المتحدة 6 قاذفات B-52 هناك، مع 12 طائرة استطلاع RQ-4 Global Hawk، في إشارة إلى تحشيد محتمل ضد إيران أو الحوثيين. القاعدة قادرة على إطلاق آلاف القنابل الموجهة بدقة في غارات مكثفة، تغطي إيران كاملة دون الحاجة لتزود إضافي بالوقود.
الدعم البحري
تحتوي الجزيرة على ميناء عميق يصل حتى 18 مترًا، يستوعب حاملات طائرات مثل USS Abraham Lincoln، وغواصات نووية من فئة Ohio-class، بالإضافة إلى فرق هجومية. المخازن تشمل 1.34 مليون برميل وقود وذخائر تكفي لشهور من العمليات، مما يجعلها قاعدة لوجستية بحرية متكاملة.
الاستخبارات والمراقبة
تحتوي دييغو غارسيا على محطات إلكترونية متقدمة (Echelon) ترصد الاتصالات والصواريخ والحركات في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا. كما ترتبط القاعدة بأقمار صناعية وطائرات بدون طيار لإرسال البيانات بشكل فوري إلى البنتاغون.
اللوجستيات والاستدامة
تضم الجزيرة مستودعات تموين، ورش صيانة، ومحطة تحلية مياه تضمن استقلالية عمليات القاعدة لسنوات. في 2025، أُضيفت مولدات طاقة شمسية لتقليل الاعتماد على الشحنات القادمة من الخارج، مما يعزز القدرة على الاستمرار في العمليات الطويلة دون انقطاع.
تجعل هذه القدرات القاعدة مثالية لتنفيذ عمليات عسكرية بعيدة المدى ضد إيران، إذ تسمح المسافة البالغة 4,000 كيلومتر بغارات سريعة دون تعريض قواعد الخليج للخطر.
تصريحات ترامب: سياق التوتر الحالي
جاء تهديد ترامب وسط أزمة متعددة الأبعاد. أولها البرنامج النووي الإيراني، حيث تشير تقارير استخباراتية إلى أن طهران وصلت إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، ما يقرّبها من قدرة نووية. ثانيًا، الهجمات الحوثية على السفن في البحر الأحمر، التي أدت إلى خسائر أمريكية مباشرة. ثالثًا، النفوذ الصيني والروسي الداعم لإيران، ما يوسع احتمالية الصراع.
في التدوينة، قال ترامب: “إذا قررت إيران عدم الاتفاق، سنضطر لاستخدام دييغو غارسيا وفايرفورد لصد الهجوم”. وانتقد الاتفاق بين بريطانيا وموريشيوس، الذي يقضي بتأجير القاعدة لـ99 عامًا مع إمكانية تمديد 40 عامًا إضافية، واصفًا الخطوة بـ”الضعف”، ومشيرًا إلى أن الصين وروسيا تراقبان الموقف عن كثب.
النزاع القانوني: بين الأمم المتحدة وواقع القوة
أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 2019 قرارًا بأغلبية ساحقة ألزم بريطانيا بتسليم أرخبيل شاغوس لموريشيوس، معتبرة الفصل البريطاني عام 1965 غير قانوني. وفي نفس العام، حكمت محكمة العدل الدولية ببطلان السيادة البريطانية على الجزر.
في مايو 2025، وقع الطرفان اتفاقًا ينص على تعويض موريشيوس سنويًا وضمان استمرار استخدام القاعدة الأمريكية، لكن الاتفاقية لم تُنفذ بعد بسبب عدم المصادقة البرلمانية في لندن وبورت لويس. يرى ترامب في هذا الاتفاق تهديدًا للأمن الأمريكي، خاصة مع النفوذ الصيني في موريشيوس واستثماراتها في الموانئ.
ردود الفعل الدولية
• إيران: وصف وزير الخارجية عباس عراقجي تهديد ترامب بأنه “كلام فارغ”، محذرًا من “رد مدمر”. البرلمان ناقش إمكانية إغلاق مضيق هرمز.
• بريطانيا: أكد رئيس الوزراء كير ستارمر “التزامًا كاملاً” بالقاعدة، لكنه رفض أي استفزاز إضافي.
• موريشيوس: طالب الرئيس برافيند جاغنات بتنفيذ الاتفاق فورًا.
• الدول العربية: رحبت السعودية والإمارات ضمنيًا، بينما دعت عمان للتهدئة، ومصر تابعت بقلق تأثيرات القاعدة على قناة السويس.
• روسيا والصين: وصفت موسكو التحركات الأمريكية بأنها “استفزازية”، ودعت بكين إلى حل سلمي للنزاع.
التداعيات على المنطقة العربية والعالم
الشرق الأوسط
تقلل القاعدة الاعتماد الأمريكي على قواعد خليجية مباشرة، لكنها تزيد التوتر بين إيران والغرب. في لبنان وسوريا، قد تستغل الميليشيات المدعومة من طهران الأوضاع لشن هجمات ثانوية، فيما هدد الحوثيون بضرب القاعدة، رغم بعدها 5,000 كيلومتر.
الاقتصاد العالمي
تأثرت أسعار النفط على الفور، حيث ارتفعت بنسبة 5% بعد تصريحات ترامب، مع احتمالية إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من النفط العالمي. كما يراقب العالم تأثير ذلك على قناة السويس، التي تمر بها 12% من التجارة الدولية.
التوازن الجيوسياسي
تعزز القاعدة موقع الناتو في المحيط الهندي، لكنها تقوض الاتفاق مع موريشيوس. بينما توسع الصين نفوذها في جيبوتي وباكستان كبدائل استراتيجية.
الخاتمة: رهان استراتيجي كبير
قاعدة دييغو غارسيا ليست مجرد نقطة على الخريطة؛ إنها ركيزة أمريكية في عالم متعدد الأقطاب. تهديد ترامب يُظهر تصميمًا على إعادة رسم التوازن مع إيران، لكنه يخاطر بتصعيد إقليمي واسع. مع تاريخ مثير للجدل، تبقى القاعدة رمزًا للقوة الأمريكية والاستعمار البريطاني، وتحوم حولها جدالات قانونية وسياسية دولية.
هل ستُستخدم فعليًا؟ الإجابة تعتمد على رد طهران في الأسابيع المقبلة، فيما تترقب المنطقة العربية، خاصة مصر والخليج، تطورات حاسمة قد تحدد مستقبل الأمن والاستقرار في المحيط الهندي والشرق الأوسط.










