لندن- المنشر الاخباري | السبت 21 فبراير 2026 – كشفت صحيفة ديلي ميل عن تصاعد الجدل داخل الأوساط السياسية والعسكرية في المملكة المتحدة بشأن ما إذا كان ينبغي السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لتنفيذ عمل عسكري محتمل ضد إيران، في ظل توترات إقليمية متزايدة وضغوط أمريكية مباشرة على لندن.
وبحسب التقرير، دعا عدد من كبار القادة العسكريين البريطانيين السابقين رئيس الوزراء كير ستارمر إلى “إعطاء الأولوية للأمن القومي” والسماح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستخدام القواعد الواقعة على الأراضي البريطانية وأقاليمها الخارجية لشن ضربات عسكرية ضد إيران، معتبرين أن الوقوف إلى جانب واشنطن في هذه المرحلة يمثل ضرورة استراتيجية لحماية المصالح البريطانية.
موقف حكومي متحفظ
في المقابل، أوضحت الصحيفة أن الحكومة البريطانية لم تمنح حتى الآن الإذن باستخدام تلك القواعد لتنفيذ غارات جوية، مفضلة اتباع مسار دبلوماسي واقتصادي للضغط على طهران.
وأكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر هذا التوجه خلال اجتماعها مع نظيرها الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، حيث شددت على أن لندن تفضل “الضغط الدبلوماسي والاقتصادي” بدلا من التصعيد العسكري المباشر.
ويعكس هذا الموقف حذرا واضحا من جانب الحكومة البريطانية إزاء الانخراط في مواجهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، خاصة في ظل تعقيدات قانونية وسياسية تحيط بشرعية أي عمل عسكري محتمل.
انتقادات من المعارضة والعسكريين السابقين
أثار هذا النهج انتقادات داخلية، حيث اعتبر المتحدث باسم حزب المحافظين للشؤون الدفاعية، جيمس كارتليدج، أن البرنامج النووي الإيراني “يشكل تهديدا خطيرا لبريطانيا وحلفائها”، داعيا إلى موقف أكثر صرامة.
كما نقلت الصحيفة عن الأدميرال المتقاعد كريس بيري، الضابط السابق في البحرية الملكية، قوله إن الحكومة البريطانية تبدو “غير جديرة بالثقة وضعيفة” في وقت يحتاج فيه الحليف الأمريكي إلى تأكيد واضح على دعم لندن، مشيرا إلى أهمية ضمان وصول الولايات المتحدة إلى جزر تشاغوس والقاعدة المشتركة في دييغو غارسيا.
من جهته، قال القائد السابق للبحرية الملكية توم شارب إن السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد البريطانية لشن “ضربات دقيقة” ضد إيران أمر ضروري، مضيفا أن الأمريكيين قادرون على استخدام قاعدة دييغو غارسيا على أي حال لأنها قاعدة مشتركة، لكن يتعين على بريطانيا دعم ذلك بشكل فاعل.
عقدة جزر تشاغوس
تتركز حساسية الملف حول جزر تشاغوس في المحيط الهندي، والتي تضم القاعدة العسكرية الاستراتيجية في دييغو غارسيا، وهي منشأة مشتركة بين لندن وواشنطن وتعد من أهم المراكز العسكرية الأمريكية خارج الأراضي الأمريكية.
وبحسب التقرير، علق رئيس الوزراء البريطاني أي خطط أمريكية محتملة لاستخدام القاعدة، في أعقاب خلاف دبلوماسي بشأن مستقبل جزر تشاغوس، وسط مخاوف بريطانية تتعلق بشرعية العمل العسكري المقترح وانعكاساته القانونية.
رسالة تحذير من ترامب
في تصعيد لافت، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 19 فبراير رسالة على منصته “Truth Social”، وجه فيها تحذيرا مباشرا إلى كير ستارمر، معتبرا أن نقل أو تأجير جزيرة دييغو غارسيا على المدى الطويل يمثل “خطأ كبيرا”، وأنه لا ينبغي لبريطانيا أن تفقد السيطرة عليها.
وأوضح ترامب أنه في حال فشل التوصل إلى اتفاق مع الحكومة الإيرانية، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى استخدام دييغو غارسيا وقاعدة فيرفورد الجوية لمنع هجوم محتمل من جانب إيران. وقال إن أي هجوم من هذا النوع قد يستهدف المملكة المتحدة ودولا صديقة أخرى، مشددا على أن فقدان السيطرة البريطانية على الجزيرة سيؤدي إلى “كارثة” لحليف وصفه بـ”العظيم”.
بين التحالف التاريخي والحسابات الداخلية
يعكس الجدل القائم في بريطانيا معضلة استراتيجية أوسع: كيف يمكن للحكومة الموازنة بين التزاماتها التاريخية تجاه واشنطن ضمن “العلاقة الخاصة”، وبين حساباتها الداخلية والقانونية ومخاوفها من التورط في نزاع عسكري جديد؟
ففي الوقت الذي يرى فيه بعض العسكريين السابقين أن إظهار الحزم تجاه إيران يعزز الردع ويحمي المصالح البريطانية، تخشى الحكومة من أن يؤدي أي عمل عسكري غير محسوب إلى تصعيد إقليمي واسع، فضلا عن تداعيات قانونية ودبلوماسية معقدة.
وتبقى جزر تشاغوس، وخاصة قاعدة دييغو غارسيا، في قلب هذا الجدل، باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية في أي تحرك عسكري أمريكي محتمل في المنطقة. وبينما تتواصل الضغوط السياسية والإعلامية، يبدو أن قرار لندن النهائي سيحمل أبعادا تتجاوز الأزمة الحالية، ليحدد شكل العلاقة البريطانية-الأمريكية في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.









