مهلة أمريكية لمدة 15 يومًا وتحركات بحرية مكثفة تضع طهران أمام اختبار وجودي
طهران – المنشر الإخباري
تدخل إيران مرحلة شديدة الحساسية في علاقتها مع الولايات المتحدة، بعد منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهلة لا تتجاوز 15 يومًا للتوصل إلى “اتفاق مجدٍ”، بالتزامن مع تعزيزات عسكرية أمريكية لافتة في المنطقة، بينها قطع بحرية متقدمة وحاملة طائرات في مياه الشرق الأوسط.
التحذير الأمريكي لم يأتِ في فراغ، بل تزامن مع مفاوضات نووية جارية في جنيف، ما وضع القيادة الإيرانية أمام معادلة صعبة: إما تسوية سريعة تخفف العقوبات، أو احتمال مواجهة عسكرية محدودة قد تتدحرج إلى صراع أوسع.
تحركات دبلوماسية عاجلة في الأمم المتحدة والعواصم الإقليمية
في رد فعل سريع، فعّلت طهران مسارًا دبلوماسيًا مكثفًا عبر الأمم المتحدة، محذرة من “خطر عدوان عسكري حقيقي” ومعتبرة أن التهديدات العلنية تنتهك ميثاق المنظمة الدولية.
ويقود وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجى اتصالات واسعة شملت نظيره الروسى سيرجى لافروف فى محاولة لضمان دعم موسكو في مجلس الأمن، إضافة إلى تنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتجنب أي تصعيد تقني قد يُستخدم ذريعة لعمل عسكري.
كما امتدت المشاورات إلى عواصم عربية مؤثرة، بينها الرياض والقاهرة، في مسعى لخلق مناخ إقليمي ضاغط نحو خفض التصعيد، وإظهار أن طهران لا تغلق باب التفاوض.
كابوس 2025… هل يتكرر السيناريو؟
داخل الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية، تعود إلى الواجهة تجربة يونيو 2025، عندما سبقت مهلة سياسية تحركات عسكرية مفاجئة. ورغم عدم وجود إعلان رسمي بمقارنة الوضع الحالي بتلك المرحلة، إلا أن الذاكرة السياسية الإيرانية تتعامل مع الإنذارات الزمنية بوصفها مؤشرات جدية وليست مجرد أدوات ضغط إعلامي.
هذا الإدراك دفع المؤسسة الأمنية إلى رفع مستوى الجاهزية، فيما أجرت القوات الإيرانية مناورات بحرية قرب مضيق هرمز، أحد أهم شرايين الطاقة العالمية، في رسالة واضحة بأن الردع قائم، وأن أي مواجهة ستتجاوز حدود الضربات الرمزية.
مفاوضات جنيف: بين تخفيف العقوبات وسقف التخصيب
على طاولة التفاوض في جنيف، تسعى إيران إلى اتفاق إطار يحقق هدفين رئيسيين:
1. تخفيف ملموس للعقوبات الاقتصادية.
2. الحفاظ على مستوى محدود من تخصيب اليورانيوم تحت رقابة دولية.
لكن الضغوط الأمريكية تضيف عامل “الوقت السياسي” إلى المعادلة، ما يجعل أي تنازل يبدو وكأنه نتيجة إكراه عسكري، وهو ما يثير حساسية داخلية في طهران.
وتواجه القيادة الإيرانية معضلة مزدوجة:
• تقديم تنازلات سريعة قد يُفسر داخليًا كضعف.
• أو التصلب في الموقف والمخاطرة بضربة عسكرية.
استراتيجية “الردع المعلن”
تعتمد إيران في هذه المرحلة ما يمكن وصفه باستراتيجية “الردع المعلن”، حيث تصرّح رسميًا بأن جميع القواعد والأصول الأمريكية في المنطقة قد تصبح أهدافًا مشروعة إذا اندلعت المواجهة.
هذه التصريحات لا تهدف – وفق مراقبين – إلى إشعال الحرب، بل إلى رفع كلفتها المحتملة على واشنطن، في محاولة لإعادة التوازن إلى طاولة التفاوض.
في المقابل، تكثف الولايات المتحدة وجودها العسكري، في رسالة تؤكد أن المهلة ليست رمزية، وأن الخيارات كافة مطروحة.
الاقتصاد الإيراني تحت ضغط مزدوج
يأتي التصعيد في توقيت اقتصادي حساس لإيران. فالعقوبات لا تزال تضغط على العملة المحلية وأسواق الطاقة والاستثمار، فيما لم تتعافَ البلاد بالكامل من موجات احتجاج سابقة ارتبطت بتدهور الأوضاع المعيشية.
أي تصعيد عسكري، حتى لو كان محدودًا، قد ينعكس مباشرة على الأسواق الإيرانية، ويزيد من الضغوط الاجتماعية، وهو ما يضع القيادة أمام حسابات دقيقة تتجاوز البعد العسكري.
البعد الإقليمي: حافة اشتعال أوسع
الشرق الأوسط يعيش أصلًا حالة توتر مزمنة، من الحرب في غزة إلى اضطرابات البحر الأحمر. وأي مواجهة أمريكية – إيرانية قد تدفع أطرافًا إقليمية للدخول على خط الأزمة، سواء عبر هجمات غير مباشرة أو تحركات في مسارح أخرى.
لهذا تحاول طهران إرسال إشارات مزدوجة: الاستعداد العسكري الكامل، والرغبة في تسوية تفاوضية تحفظ “حقها السيادي” وتجنب المنطقة حربًا شاملة.
بين التسوية والمواجهة… الساعات الحاسمة
مع مرور الأيام من مهلة الـ15 يومًا، تتكثف التحركات خلف الكواليس. الدبلوماسيون يصوغون مقترحات، والعسكريون يدرسون سيناريوهات الطوارئ، والإعلام الإيراني يهيئ الرأي العام لكل الاحتمالات.
الهدف المعلن لطهران هو تجنب الانهيار وضمان “البقاء” عبر اتفاق يحفظ الحد الأدنى من المكاسب الاستراتيجية. لكن إذا فشلت الدبلوماسية، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من المواجهة المنضبطة أو المحدودة – على الأقل في بدايتها.
في المحصلة، تقف إيران اليوم في “عين العاصفة”، حيث تتقاطع مهلة سياسية قصيرة مع حشود عسكرية فعلية، في اختبار قد يعيد رسم معادلات القوة في الشرق الأوسط خلال الأسابيع المقبلة.










