تدور في الأوساط السياسية والإعلامية المصرية خلال الأسابيع الأخيرة نقاشات مكثفة حول احتمال فتح باب تعديلات دستورية جديدة، وسط تباين واضح بين من يراها ضرورة للنظام السياسي، ومن يحذر من المساس المتكرر بنصوص الدستور واستقرار القواعد الحاكمة للحياة العامة.
وتأتي هذه الأحاديث بعد نحو ست سنوات من آخر حزمة تعديلات جرى الاستفتاء عليها عام 2019، وقبل نحو أربع سنوات من انتهاء الولاية الرئاسية الحالية، ما يمنح الملف حساسية إضافية لارتباطه المباشر بمستقبل السلطة التنفيذية وشكل نظام الحكم في البلاد.
خلفية عن الدستور والتعديلات السابقةالدستور المصري الحالي أُقر في استفتاء 2014، قبل أن يُدخل البرلمان تعديلات واسعة عليه عام 2019 شملت تمديد مدة الرئاسة من أربع إلى ست سنوات، مع إقرار مادة انتقالية سمحت بتمديد فترة الرئيس الحالي وإتاحة ترشحه لولاية إضافية تنتهي في 2030.
كما تضمنت تلك التعديلات استحداث مجلس الشيوخ كغرفة برلمانية ثانية، وتثبيت نسبة 25% على الأقل لتمثيل النساء في المجالس النيابية، إلى جانب تعديلات مست جوانب متعلقة بالقضاء ودور القوات المسلحة في الحياة العامة.
هذه السوابق تجعل أي حديث جديد عن تعديلات دستورية محملاً بظلال التجربة السابقة، وبسجال لم ينقطع حول مدى تأثيرها على توازن السلطات والحقوق والحريات.
مقترحات حالية وحديث داخل المؤسسات
أحدث الإشارات العلنية جاءت من داخل لجنة الإدارة المحلية بمجلس الشيوخ، حيث دعا المستشار عدلي حسين، محافظ القليوبية الأسبق، إلى “تغيير الدستور الحالي شكلاً وموضوعاً”، معتبراً أن دستور 2012 بتعديلاته لا يزال يحمل “بصمات الإخوان” ويحتاج إلى إعادة صياغة شاملة.
وسبق ذلك مقترح من عضو بمجلس الشيوخ لمنح صلاحيات أوسع للمجلس في بنية النظام السياسي، بما يرسخ مكانته كغرفة تشريعية ثانية ذات دور حقيقي في صناعة القرار.
في السياق ذاته، دعا إعلاميون وشخصيات سياسية خلال الشهور الماضية إلى إعادة النظر في مواد الدستور المتعلقة بمدة الرئاسة وتنظيم السلطات، بدعوى الحاجة إلى مزيد من الاستقرار السياسي لاستكمال خطط التنمية والإصلاح الاقتصادي.
التركيز على مدد الرئاسة وشكل نظام الحكم
النقاش الأكثر حساسية يدور حول المواد المنظمة لمدة الرئاسة وعدد الولايات المسموح بها، وهي النقطة التي كانت في قلب تعديلات 2019 وأتاحت بقاء الرئيس حتى 2030.
أصوات مؤيدة ترى أن التحديات الاقتصادية والأمنية التي تمر بها مصر تتطلب استمرار القيادة الحالية لفترة أطول لضمان استكمال المشروعات الكبرى وتفادي “الارتباك” الذي قد تسببه تغييرات متقاربة في قمة السلطة.
في المقابل، يحذر منتقدون من أن أي اتجاه جديد لتمديد مدد الحكم أو فتح الباب أمام تعديلات متكررة على المواد الرئاسية قد يكرس شخصنة السلطة ويضعف مبدأ تداولها، ويقوض الثقة في الدستور كعقد مستقر بين الدولة والمجتمع.
أصوات تطالب بدستور جديد لا مجرد تعديلات
لا تتوقف المقترحات عند حدود تعديل بعض المواد، فهناك اتجاه داخل بعض الأحزاب والشخصيات العامة يدعو إلى صياغة دستور جديد بالكامل بدلاً من الاكتفاء بترقيع النص الحالي.
قيادات حزبية وشخصيات سياسية، من بينها برلمانيون حاليون وسابقون، ترى أن الدستور الحالي “مليء بالثغرات” وأن المصريين صوتوا في 2014 على تعديلات وليس على نص تأسيسي جديد، ما يستدعي إعادة بناء شاملة تضمن عدالة اجتماعية أوضح وضمانات أقوى للحريات العامة ومنع قيام أحزاب على أساس ديني.
هذه الأصوات تربط بين أي مشروع تعديل أو دستور جديد وبين ضرورة تفعيل ما لم يُطبق حتى الآن من مواد قائمة، مثل حرية تداول المعلومات وآليات مكافحة التمييز، معتبرة أن الأزمة ليست في النصوص وحدها بل في التطبيق أيضاً.
مواقف متحفظة وتحذيرات من الاستعجال
على الجانب الآخر، خرجت تصريحات لنواب وشخصيات سياسية تقلل من احتمالات إجراء تعديل دستوري في المدى القريب، معتبرة أن “سوق السياسة يتداول الفكرة” لكنها لا تزال في إطار التكهنات أكثر من كونها مشروعاً واضح المعالم.
بعض النواب يشيرون إلى أن تكرار فتح باب التعديلات خلال فترات قصيرة يبعث برسالة سلبية عن استقرار النظام الدستوري، وقد يضعف ثقة المستثمرين والرأي العام في ثبات القواعد المنظمة للحياة السياسية.
كما يلفت خبراء قانونيون إلى أن أي تغيير في المواد المتعلقة بنظام الحكم ومدة الرئاسة يخضع لضوابط مشددة في الدستور الحالي، ويتطلب مساراً إجرائياً معقداً يبدأ بطلب من نسبة محددة من أعضاء البرلمان ثم مناقشات مطولة وانتهاء باستفتاء شعبي.
سيناريوهات الفترة المقبلة
حتى الآن لا يوجد مشروع رسمي معلن لتعديل الدستور، لكن استمرار طرح الفكرة من داخل دوائر سياسية وإعلامية، بالتوازي مع فصل تشريعي جديد وتحديات اقتصادية واجتماعية حادة، يجعل الملف مرشحاً للبقاء في صدارة الجدل خلال الفترة القادمة.
سيناريوهات المرحلة المقبلة تتراوح بين بقاء النقاش في إطار الضغط السياسي والإعلامي دون ترجمة عملية، وبين الانتقال إلى خطوات إجرائية حال تبلور توافق داخل دوائر صنع القرار على شكل التعديل وأهدافه، سواء تعلق بمدد الرئاسة أو بتوزيع الصلاحيات بين المؤسسات المختلفة.
وفي كل الأحوال سيظل المعيار الرئيسي الذي يراقبه الداخل والخارج هو مدى احترام مبدأ تداول السلطة وضمانات المشاركة السياسية والحريات العامة في أي صيغة دستورية مرتقبة.










