بيان الخارجية المصرية الرافض لتصريحات سفير الولايات المتحدة فى إسرائيل، مايك هاكابي، بشأن ما يسمى بـ«إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، فجّر موجة تفاعل دولى وعربى وإسلامى واسعة، تجاوزت مجرد رد الفعل الدبلوماسى الروتينى، لتتحول إلى اصطفاف سياسى وقانونى ضد الخطاب التوسعى والإقصائى فى المنطقة.
خلفية التصريحات والبيان المصرى
أدلى السفير الأمريكى فى إسرائيل مايك هاكابى بتصريحات خلال مقابلة إعلامية وبودكاست، تحدث فيها عن «حق توراتى» لإسرائيل فى السيطرة على مساحات واسعة من الشرق الأوسط، من بينها أراضٍ لدول عربية، ملمحاً إلى أن «لا مشكلة» فى أن «تسيطر إسرائيل على كل تلك الأراضى».
البيان المصرى وصف تلك التصريحات بأنها «انحراف جسيم عن مبادئ القانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة»، وأكد أن إسرائيل لا تتمتع بأى سيادة على الأراضى الفلسطينية المحتلة أو أى أراضٍ عربية أخرى، رافضاً بشكل قاطع أى محاولة لتبرير المطامع التوسعية على أسس دينية أو تاريخية.
الخارجية المصرية أبدت «استغرابها» من صدور هذه التصريحات فى توقيت تتكثف فيه الجهود الدولية لوقف إطلاق النار فى غزة وبلورة مسار سياسى يفضى إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، معتبرة أن مثل هذه الخطابات تقوّض فرص التهدئة والسلام.
كما شددت القاهرة على تمسكها بحل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 4 يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ورفض أى مخططات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة أو توسيع الاستيطان.
رد الفعل العربى والإسلامى
البيان المصرى شكل شرارة لاصطفاف عربى وإسلامى واسع، تُوِّج ببيان مشترك لوزارات خارجية 14 دولة عربية وإسلامية، من بينها السعودية والأردن والإمارات وقطر وتركيا وإندونيسيا وباكستان وسوريا ولبنان والكويت وسلطنة عمان، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامى وجامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجى، بمشاركة مصر.
هذا البيان المشترك وصف تصريحات هاكابى بأنها «خطيرة ومحرضة ومنافية للقانون الدولى وميثاق الأمم المتحدة»، محذراً من أنها تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها، وتغذى خطاب الكراهية والتطرف وتشرعن فكرة السيطرة على أراضى الغير بالقوة.
البيان العربى الإسلامى أكد مجدداً أن إسرائيل «لا تملك أى سيادة» على الأراضى الفلسطينية المحتلة ولا على أى أراضٍ عربية، ورفض بشكل حاسم أى محاولات لضم الضفة الغربية، أو فصلها عن غزة، أو توسيع الاستيطان، أو المساس بسيادة الدول العربية.
كما شدد على التمسك بحق الشعب الفلسطينى فى تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة على أساس خطوط 1967، وإنهاء الاحتلال لجميع الأراضى العربية المحتلة، داعياً إلى وقف التصريحات «الملتهبة» التى تؤجج العنف وتنسف مساعى السلام.
المواقف الإقليمية والدولية الأوسععلى المستوى العربى الفردى، صدرت إدانات مستقلة من السعودية والأردن والإمارات وغيرها، وصفت تصريحات السفير الأمريكى بأنها «متهورة» و«استفزازية» و«سابقة خطيرة» من مسؤول يمثل دولة دائمة العضوية فى مجلس الأمن، وتتناقض مع الأعراف الدبلوماسية والعلاقات التاريخية بين واشنطن والعواصم العربية.
الجامعة العربية من جانبها وصفت تصريحات هاكابى بأنها «متطرفة للغاية» و«مناقضة للعقل والمنطق» و«لا تنسجم مع أبسط قواعد العمل الدبلوماسى»، فيما اعتبرتها منظمة التعاون الإسلامى «غير مقبولة» بالمطلق.
إعلامياً، أثارت التصريحات عاصفة من الانتقادات فى الصحافة العالمية، حيث ركزت التغطيات على خطورتها فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية، واعتبر عدد من التحليلات أن التلويح بـ«حق توراتى» فى أراضى دول ذات سيادة يبعث بإشارات سلبية حول مدى التزام واشنطن المعلن بحل الدولتين وبقواعد النظام الدولى.
وسلطت تقارير عدة الضوء على أن تصريحات السفير تتعارض حتى مع الموقف المعلن للرئيس الأمريكى دونالد ترامب الرافض رسمياً لضم الضفة الغربية، وهو ما أشار إليه البيان المصرى نفسه كدليل على التناقض داخل الإدارة الأمريكية إزاء مسار التسوية.
دلالات الموقف المصرى فى المشهد الدولى
المتابعون اعتبروا أن البيان المصرى يندرج ضمن جهود القاهرة للحفاظ على معادلة واضحة: سلام قائم على القانون الدولى مقابل رفض مطلق لأى مشاريع توسعية أو ضم أحادى، خاصة عندما تمس بشكل مباشر أو غير مباشر الأمن القومى المصرى وسلامة أراضيه.
كما يعكس البيان حرص مصر على تثبيت المرجعيات القانونية والسياسية للقضية الفلسطينية فى مواجهة محاولات إعادة صياغة خرائط النفوذ فى المنطقة على أسس دينية أو أيديولوجية، بما يفتح الباب أمام فوضى حدودية وصراعات بلا سقف.
فى السياق ذاته، أظهر الاصطفاف العربى والإسلامى حول الموقف المصرى أن ثمة خطوطاً حمراء مشتركة لا يسمح بتجاوزها، وفى مقدمتها: رفض شرعنة الاحتلال، ورفض المساس بسيادة الدول، والتأكيد على أن أى تسوية للصراع يجب أن تمر عبر القانون الدولى وقرارات الأمم المتحدة لا عبر تفسيرات نصوص دينية.
وتكشف هذه الموجة من الإدانات عن إدراك جماعى بأن التساهل مع مثل هذه الخطابات قد ينعكس تصعيداً ميدانياً فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، ويضعف ثقة الرأى العام العربى والإسلامى فى جدية المساعى الدبلوماسية الحالية لإنهاء الحرب على غزة.
بهذا، تحول بيان الخارجية المصرية من مجرد رد على تصريح دبلوماسى منفلت، إلى نقطة ارتكاز لموقف إقليمى ودولى أوسع يدافع عن قواعد النظام الدولى وحقوق الشعب الفلسطينى، ويرسم حدوداً واضحة لما يمكن قبوله أو رفضه فى الخطاب السياسى المتعلق بمستقبل الشرق الأوسط.










