تشهد الساحة المصرية حالياً جدلاً متجدداً حول تجاوزات تطبيق قانون الإيجار القديم، مع اقتراب دخول تعديلات 2025 حيز التنفيذ، وسط مخاوف من تشريد مئات الآلاف من الأسر، وشكاوى موازية من ملاك يرون أن ممتلكاتهم تحوّلت إلى عبء لا يدر عائداً حقيقياً منذ عقود.
خلفية قانون الإيجار القديم وتدخل المحكمة الدستوريةقوانين الإيجار القديم تعود جذورها إلى عشرينيات القرن الماضى ثم جرى تعديلها وتثبيت الإيجارات بقانون 136 لسنة 1981، حيث تم تجميد القيمة الإيجارية عند مستويات متدنية للغاية دون زيادات سنوية، ما خلق فجوة هائلة بين الإيجار القديم وسعر السوق الحالى.
فى نوفمبر 2024 أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكماً تاريخياً بعدم دستورية المواد الخاصة بتثبيت القيمة الإيجارية فى قانون 136 لسنة 1981، معتبرة أن العقود الممتدة بلا نهاية وبقيم شبه رمزية تمثل إخلالاً بحق الملكية ومبدأ التوازن بين أطراف العلاقة التعاقدية.
الحكم ألزم البرلمان بإصدار تشريع جديد خلال مهلة زمنية محددة لمعالجة الخلل التاريخى فى المنظومة، ما فتح الباب أمام نقاش مجتمعى واسع، وأعاد إلى الواجهة ملفات التجاوزات من الطرفين: ملاك يستغلون الثغرات لإخراج مستأجرين، ومستأجرون يسيئون استخدام الامتداد القانونى للعقود.
أهم ملامح التعديلات الجديدة
استجابة لحكم المحكمة، أقر مجلس النواب تعديلات واسعة فى 2025، صدرت بالقانون رقم 164 لسنة 2025، وضعت جدولاً زمنياً لإنهاء عقود الإيجار القديم السكنية والتجارية، مع آلية لزيادة القيمة الإيجارية تدريجياً.
التعديل حدد فترة انتقالية تقارب 7 سنوات للوحدات السكنية، و5 سنوات للوحدات غير السكنية المؤجرة لأشخاص طبيعيين، تعقبها نهاية تلقائية للعقود القديمة وإعادة تحرير العلاقة الإيجارية وفقاً للعرض والطلب فى إطار القانون المدنى.
كما نصت التعديلات على زيادات سنوية فى القيمة الإيجارية، تبدأ بزيادة كبيرة فى السنة الأولى، ثم زيادات دورية تصل إلى 15% سنوياً، مع وعود حكومية بتوفير وحدات بديلة مدعومة للفئات الأشد احتياجاً عبر برامج الإسكان الاجتماعى.
غير أن منظمات حقوقية ودراسات مستقلة حذرت من أن هذه الزيادات، مقترنة بنهاية العقود بعد سنوات قليلة، قد تضع نحو 1.6 مليون أسرة تحت تهديد فقدان مساكنها إذا لم تُستكمل برامج الإسكان البديل والحماية الاجتماعية بالسرعة والكفاءة المطلوبة.
تجاوزات ملاك ومستأجرين على الأرض
قبل صدور التعديلات وبعدها، توالت الشكاوى من تجاوزات فى تطبيق قوانين الإيجار القديم، أبرزها ممارسة ضغوط غير قانونية من بعض الملاك لدفع المستأجرين إلى التنازل عن الوحدات مقابل تعويضات هزيلة أو اللجوء إلى قطع المرافق أو الامتناع عن الصيانة.
تقارير صحفية تشير إلى أن عشرات الآلاف من الوحدات القديمة مهددة بالانهيار بسبب امتناع الملاك عن الصيانة بدعوى ضعف العائد الإيجارى، ما يشكّل خطراً مباشراً على حياة قاطنيها، ويُستخدم أحياناً كورقة ضغط لإخلاء العقار وإعادة بنائه وبيعه بأسعار السوق.
فى المقابل، يشكو ملاك كثيرون من استغلال بعض المستأجرين لمبدأ الامتداد القانونى للعقود، حيث يتحول عقد إيجار قديم لشقة سكنية إلى «أصل» يُورّث لأجيال متعاقبة، أو يُستخدم لمزاولة نشاط تجارى يدر عائداً ضخماً بينما يظل الإيجار ثابتاً عند عشرات الجنيهات.
كما توثّق دراسات حالة قيام مستأجرين بتأجير الوحدات من الباطن أو تركها مغلقة لسنوات مع الاحتفاظ بالعقد القديم، ما يعد مخالفة صريحة لروح القانون ويُفقد الهدف الاجتماعى الأصلى منه، ويزيد من ندرة العرض فى سوق الإسكان النشط.
التجاوزات فى مسار تعديل القانون نفسه
الجدل لم يقتصر على الممارسات الميدانية، بل امتد إلى طريقة إعداد وصياغة تعديلات القانون، حيث انتقدت منظمات وخبراء ما اعتبروه «انحيازاً تشريعياً» لصالح الملاك على حساب المستأجرين محدودى الدخل.
تقارير حقوقية تشير إلى أن مشروع القانون الحكومى مر بعدة نسخ متقاربة رغم اعتراضات برلمانية نادرة، وأن الاعتماد على بيانات قديمة وغير دقيقة حول أعداد الوحدات المشمولة بالإيجار القديم ومستوى دخول قاطنيها يفتح الباب لتطبيق غير عادل للتعديلات.
من ناحية أخرى، يرى الملاك أن أى تمديد إضافى للفترات الانتقالية أو تخفيف فى الزيادات المقررة يمثل «تجاوزاً» جديداً على حقوقهم الدستورية فى استغلال ملكياتهم بحرية، ويحمّلهم وحدهم كلفة «العدالة الاجتماعية» التى كان يفترض أن تتحملها الدولة بسياسات إسكان عادلة ومستمرة.
تحديات التنفيذ والرقابة
التحدّى الأكبر فى المرحلة المقبلة هو كيفية تنفيذ التعديلات بصورة متدرجة ومنضبطة تمنع الانزلاق إلى موجة تهجير سكانى من الأحياء القديمة، وفى الوقت نفسه تُغلق باب التلاعب والتجاوزات من الطرفين.
الخبراء يطالبون بآليات رقابية واضحة، تشمل لجان لتقييم القيمة الإيجارية الفعلية، وقواعد شفافة لتحديد المستحقين للوحدات البديلة أو للدعم النقدى، وتصعيد دور المحاكم المتخصصة فى فض النزاعات بسرعة قبل أن تتحول إلى صدامات اجتماعية على الأرض.
كما يلحّ كثير من الباحثين على ضرورة ربط إصلاح الإيجار القديم بسياسات أشمل لمعالجة أزمة الإسكان، ومنها استغلال نحو 12 مليون وحدة خالية على مستوى الجمهورية، وتطوير تشريعات البناء والتخطيط العمرانى، بدلاً من الاكتفاء بتعديل علاقة المالك بالمستأجر فى إطار ضيق.










