تسبّب الارتفاع الكبير فى أسعار إيجارات أراضى الأوقاف الزراعية فى موجة غضب داخل البرلمان المصرى، تُرجمت إلى طلبات إحاطة عاجلة موجهة لوزير الأوقاف ورئيس هيئة الأوقاف، وسط تحذيرات من تهديد مباشر لمستقبل آلاف الفلاحين ومستأجرى أراضى الوقف فى قرى عديدة بالجمهورية.
خلفية الأزمة وأرقام الزيادات
خلال الأعوام العشرة الأخيرة قفزت القيمة الإيجارية لأراضى الأوقاف قفزات متتالية، حيث تشير مذكرات برلمانية وتقارير رسمية إلى أن إيجار الفدان ارتفع من نحو 400 جنيه عام 2014 إلى حوالى 13 ألف جنيه فى 2024، قبل أن تقترح هيئة الأوقاف رفعه إلى 45 ألف جنيه للفدان فى موسم 2025/2026 ببعض المناطق عالية الخصوبة.
فى طلب إحاطة حديث بمجلس النواب، كشف أحد النواب أن بعض العقود الجديدة المطروحة وصلت بقيمة الإيجار السنوى إلى 60 ألف جنيه للفدان، وهو ما اعتبره «قفزة غير مبررة» تتجاوز قدرة الفلاحين على السداد، خاصة مع تضاعف تكاليف المدخلات الزراعية من سماد وطاقة ومياه ونقل.
هذه الزيادات تأتى بينما يعانى قطاع الزراعة بالفعل من ضغوط تضخم وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، ما يجعل أى زيادة مفاجئة فى الإيجار عبئاً إضافياً لا يحتمله صغار المزارعين الذين يزرعون فداناً أو اثنين فقط، ويعتمدون بالكامل على عائد المحصول السنوى.
مضمون طلب الإحاطة داخل البرلمان
طلب الإحاطة المقدم فى مجلس النواب طالب الحكومة ممثلة فى وزارة الأوقاف بمراجعة فورية لسياسة تسعير إيجارات أراضى الوقف، ووقف أى زيادات جديدة لحين دراسة الأثر الاجتماعى والاقتصادى على الفلاحين.
النائب صاحب الطلب حذر من أن تحويل أراضى الأوقاف إلى «استثمار ربحى صرف» يتعارض مع فلسفة الوقف القائمة على المنفعة العامة والتكافل، مشدداً على أن أراضى الوقف «مال الله» ينبغى أن تُدار بما يخفف أعباء المواطنين لا أن يضاعفها.
كما طالب بتطبيق مبدأ التدرّج فى الزيادة، بحيث لا تُرفع القيم الإيجارية مرة واحدة إلى مستويات تعادل أو تتجاوز أسعار السوق الخاصة، وإنما تتم زيادتها على عدة سنوات مع وضع سقف لا يمكن تجاوزه، وربط أى زيادة بمستويات أسعار المحاصيل والدخل الفعلى للفلاحين.
الطلب أشار كذلك إلى شكاوى من ممارسات «ضغط غير مباشر» على الفلاحين، مثل ربط صرف الأسمدة المدعمة أو تجديد العقود بالموافقة على القيم الجديدة، وهو ما وصفه النواب بأنه «استغلال لاحتياج المستأجرين» يخالف روح العدالة الاجتماعية.
رد الأوقاف وموقف الحكومة
من جانبها، تدافع وزارة الأوقاف وهيئة الأوقاف عن سياسة الزيادات بوصفها «تصحيحاً لوضع مختل منذ عقود»، وتؤكد أن الأراضى كانت مؤجرة بأسعار «متدنية للغاية» لا تتناسب مع قيمتها السوقية ولا مع حجم العائد المفترض أن يذهب لمصارف الخير والبر الممولة من ريع الوقف.
مسؤولون بالوزارة أوضحوا فى تصريحات إعلامية أن التسعير الجديد يعتمد على دراسات فنية تقسم الأراضى إلى أربع درجات من حيث جودة التربة وتوافر المياه والجدوى الاقتصادية، وأن أعلى الأرقام المعلنة تخص أراضى متميزة فى دلتا النيل، فيما تبقى إيجارات أراضٍ أخرى فى الصعيد أقل بكثير.
الوزارة تشدد أيضاً على أنها «أمين» على هذه الأموال وليست مالكاً لها، وأن واجبها الشرعى والقانونى هو تعظيم العائد لضمان استمرار الإنفاق على المساجد والمدارس والمستشفيات والأعمال الخيرية المرتبطة بالوقف.
غير أن نواباً وممثلين عن الفلاحين يردّون بأن تحقيق العائد لا يجوز أن يأتى على حساب قدرة المستأجرين على البقاء فى الأرض والإنتاج، ويحذرون من أن الطابع الخيرى للوقف يتآكل تدريجياً لصالح منطق استثمارى بحت.
تأثير الأزمة على الفلاحين والمجتمعات الريفية
التقارير الواردة إلى لجان الزراعة فى البرلمان ترصد حالة قلق واسعة بين الفلاحين، خاصة فى محافظات الدلتا، من احتمال عجزهم عن سداد الإيجارات الجديدة واضطرارهم لترك الأراضى التى يزرعونها منذ عقود، والبحث عن عمل بديل فى ظل ظروف اقتصادية صعبة.
بعض الفلاحين أكدوا فى شهادات صحفية أن ارتفاع الإيجار بهذا الشكل يعنى عملياً «أكل» هامش الربح بالكامل وربما الدخول فى خسائر، خصوصاً مع تذبذب أسعار بيع المحاصيل وارتفاع تكاليف النقل والعمالة.
فى عدد من القرى، نُظمت وقفات واعتراضات سلمية، وجرى التواصل مع نواب الدوائر لرفع الصوت تحت قبة البرلمان، وهو ما انعكس فى طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة التى تطالب بتجميد القرار ومراجعته.
خبراء زراعيون حذروا من أن استمرار التوتر حول أراضى الأوقاف قد يؤدى إلى تراجع المساحات المزروعة ببعض المحاصيل الأساسية إذا اضطر فلاحون إلى ترك الأرض، ما ينعكس على الأمن الغذائى وأسعار المنتجات الزراعية.
سيناريوهات متوقعة وتحركات مرتقبة
من المنتظر أن تعقد لجان الزراعة والأوقاف حوارات مشتركة بحضور وزير الأوقاف ومسؤولى الهيئة وممثلين عن الفلاحين، لبحث صيغة وسط تضمن «عدالة» التسعير وتدرّجه، مع الحفاظ على الدور التنموى لأراضى الوقف.
السيناريو المطروح بقوة داخل البرلمان هو اعتماد آلية للزيادة المرحلية خلال عدة سنوات، وربط الحد الأقصى للإيجار بما تدفعه جهات حكومية أخرى مثل هيئة الإصلاح الزراعى، مع إعفاءات أو تخفيضات للفلاحين محدودى الدخل وصغار الحائزين.
فى كل الأحوال، تعكس أزمة إيجارات أراضى الأوقاف معركة أوسع حول كيفية إدارة أصول الدولة ذات الطابع الدينى والخيرى فى ظل ضغوط مالية واقتصادية، وحول الحد الفاصل بين «التطوير والاستثمار» من جهة، والحفاظ على البعد الاجتماعى وحماية الفئات الأضعف من الجهة الأخرى.










