التجنيد الإلزامي للكويت: خطوات جديدة لتعزيز الأمن الوطني وتحقيق العدالة الاجتماعية
الكويت – المنشر الإخباري
أقرت الحكومة الكويتية مرسومًا بتعديل بعض أحكام قانون الخدمة الوطنية، يقضي بإلزام كل مواطن بأداء الخدمة العسكرية عند بلوغه سن الثامنة عشرة، في خطوة تهدف إلى تعزيز منظومة الدفاع الوطني وضمان الجاهزية البشرية للقوات المسلحة. هذه الخطوة تمثل نقطة فاصلة في السياسة الدفاعية للكويت، حيث تأتي بعد دراسة معمقة لتجربة القانون السابق الصادر عام 2015، الذي أظهر بعض الثغرات وأوجه القصور في التطبيق العملي.
دوافع التعديل
وفق المذكرة الإيضاحية المنشورة في الجريدة الرسمية “الكويت اليوم”، فإن الحكومة رأت ضرورة تعديل القانون لأسباب متعددة:
1. معالجة الثغرات القانونية: التطبيق العملي للقانون القديم أظهر عدم كفاية بعض النصوص في تنظيم آليات أداء الخدمة، وتحديد المستحقين، وتوزيع المجندين.
2. تعزيز جاهزية القوات المسلحة: التعديل يهدف إلى تحقيق توازن أفضل بين القوى البشرية المتاحة ومتطلبات الأمن الوطني.
3. العدالة الاجتماعية والتشريعية: يراعي التعديل تحقيق العدالة بين المواطنين، بحيث لا يتعرض أي مواطن للحرمان من حقوقه الوظيفية بسبب الخدمة العسكرية.
بهذا، يوضح المرسوم أن الهدف ليس مجرد فرض الخدمة الإلزامية، بل تحسين آليات التنفيذ بحيث تتماشى مع الواقع الاجتماعي والديموغرافي للكويت.
شروط الخدمة وأثرها على التوظيف
من أبرز التعديلات التي شملها القانون الجديد:
• شهادة أداء الخدمة: يشترط تقديم شهادة أداء الخدمة الوطنية، أو الحصول على الإعفاء أو التأجيل، قبل التعيين في أي وظيفة حكومية أو أهلية، أو قبل إصدار تراخيص مزاولة المهن الحرة.
• الأولوية في التوظيف: يتم منح أولوية في التعيين للمواطنين الذين أكملوا خدمتهم العسكرية، باعتبارها عنصرًا من عناصر التقييم المهني.
• منع التمييز الوظيفي: نص القانون على حظر رفض التعيين لأي شخص بسبب عدم أدائه الخدمة أو كونه في الخدمة، شريطة حصوله على شهادة رسمية من هيئة الخدمة الوطنية العسكرية تفيد بعدم وجود مانع من التعيين.
هذا التنظيم يعكس حرص الدولة على الربط بين الخدمة الوطنية والحقوق المدنية والمهنية للمواطنين، بما يضمن عدم تعريض أي فرد للظلم أو التمييز بسبب التزامه بالخدمة العسكرية.
توزيع المجندين وتنظيم الخدمة
حدد القانون الجديد آلية توزيع المجندين على وحدات الجيش وفق الخطط الصادرة عن رئيس الأركان العامة أو نائبه، بعد اجتياز التدريب الأساسي. كما نص على استبعاد مدد الحبس التي تنفذ نتيجة أحكام قضائية، وكذلك فترات الإيداع في مصحات علاج الإدمان، من مدة الخدمة الفعلية، بما يضمن حساب الوقت الفعلي للخدمة فقط.
هذا التنظيم الجديد يسعى لتوحيد المعايير وضمان أن مدة الخدمة تعكس الأداء الفعلي للمجند، وليس فترات التوقف غير المتعلقة بالخدمة العسكرية نفسها.
الفئات المستثناة من الخدمة
حدد القانون فئات معينة مستثناة من التجنيد الإجباري، تشمل:
1. طلبة الكليات والمعاهد والمدارس العسكرية: لضمان استمرار التعليم العسكري المتخصص دون تأخير.
2. المعينون أو المتطوعون برتبة عسكرية: في الجيش أو الشرطة أو الحرس الوطني أو قوة الإطفاء العام، لمنع ازدواجية المهام.
3. إطفائي مؤسسة البترول الكويتية والشركات التابعة لها: شرط ألا تقل مدة خدمتهم عن خمس سنوات، بما يضمن استمرارية الدفاع المدني والوظائف الحيوية.
4. مواليد ما قبل 1 يناير 2012: أي أنهم لن يشملهم التجنيد الإجباري الجديد.
5. فئات أخرى تحددها الحكومة: وفق مقتضيات المصلحة العامة، بما يمنح مرونة لإدارة الموارد البشرية للقوات المسلحة.
الآثار الاجتماعية والاقتصادية
تأتي هذه التعديلات في سياق حساس، حيث أن التجنيد الإجباري عند سن 18 قد يؤثر على عدة جوانب:
• التعليم والتأهيل المهني: الطلاب الذين سيدخلون الخدمة بعد 18 عامًا قد يتأخرون في إكمال دراستهم الجامعية أو التدريب المهني. لذلك، فإن آليات التأجيل أو الإعفاء تعتبر ضرورية لتخفيف هذا التأثير.
• سوق العمل: إعطاء الأولوية للمجندين في التوظيف يعزز الربط بين الخدمة الوطنية والفرص المهنية، لكنه قد يثير تحديات لأولئك الذين لم يتمكنوا من أداء الخدمة لأي سبب مشروع.
• المجتمع والأسرة: فرض التجنيد الإجباري يضيف مسؤولية جديدة على الشباب وأسرهم، خاصة في المجتمعات التي تعتمد على الدعم الأسري في مراحل التعليم والعمل المبكر.
البعد القانوني والسياسي
القانون يعكس توجه الحكومة نحو تحديث منظومة الدفاع الوطني بما يتماشى مع التغيرات الإقليمية والدولية. كما أنه يحقق:
• استقرار العدالة التشريعية: من خلال معالجة الثغرات السابقة ومنع التمييز الوظيفي.
• تعزيز دور الدولة في الأمن الوطني: عبر زيادة الجاهزية البشرية للقوات المسلحة وضمان توزيعها الفعال.
• مرونة إدارية: السماح لمجلس الوزراء بتحديد فئات إضافية مستثناة وفق المصلحة العامة يعطي الدولة قدرة على التكيف مع الظروف الطارئة.
مقارنة مع التجنيد الإجباري في دول المنطقة
تفرض عدة دول عربية وأوروبية التجنيد الإجباري، لكن سن الدخول ومتطلبات الخدمة تختلف. على سبيل المثال:
• الإمارات وقطر: تفرض الخدمة الوطنية على الشباب من سن 18 أو 20، مع إعفاءات محدودة للطلاب والموظفين في القطاعات الحيوية.
• تركيا وإسرائيل: لديها نظم صارمة للتجنيد مع استثناءات محددة للطلاب والأجانب والمهن الحيوية.
الكويت، بهذا التعديل، تدخل ضمن فئة الدول التي تعتمد التجنيد الإجباري المبكر، مع مراعاة خصوصية التعليم والحياة المهنية للمجندين.
التعديل الجديد لقانون الخدمة الوطنية في الكويت يمثل خطوة استراتيجية لتعزيز الجاهزية العسكرية والربط بين الخدمة الوطنية والفرص الوظيفية. من المتوقع أن يواجه القانون تحديات تطبيقية واجتماعية، لكنه يضع أسسًا واضحة لتحديث منظومة الدفاع الوطني وتحقيق العدالة التشريعية والاجتماعية بين المواطنين.
التجربة الكويتية الجديدة قد تشكل نموذجًا لدول الخليج الأخرى في كيفية التوازن بين الأمن الوطني وحقوق الأفراد، خصوصًا في ظل التغيرات الإقليمية والتهديدات الأمنية الحديثة، مما يجعل من هذا التعديل ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة ذات أبعاد استراتيجية واجتماعية شاملة.










