سوريا تغلق مخيم الهول وسط انسحاب أمريكي وخطر إعادة تنظيم خلايا داعش النائمة
أبوظبي – 23 فبراير 2026
وسط موجة توترات متصاعدة في شمال شرق سوريا، أعلنت السلطات السورية إغلاق مخيم الهول في محافظة الحسكة، الذي احتضن لعقود آلاف النازحين والأسر المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). القرار جاء في خضم انسحاب القوات الأمريكية من سوريا، في خطوة وصفتها مصادر دولية بأنها قد تفتح الباب أمام انفلات أمني واسع النطاق وإمكانية إعادة تشكيل خلايا داعش النائمة، وهو ما يهدد استقرار المنطقة بأكملها.
الهول فارغ.. لكن التهديد قائم
أكد منذر السلال، عضو وحدة دعم الاستقرار السورية، أن المخيم أصبح “فارغًا ومغلقًا، وقد تم نقل جميع العائلات المتبقية”، بعد عملية إجلاء سريعة أثارت تساؤلات واسعة حول مصير النازحين ومسار إعادة دمجهم في المجتمع. ووفق إحصاءات يناير 2026، كان المخيم يضم 6,352 امرأة وطفلًا أجنبيًا من 42 جنسية مختلفة، و15,245 سوريًا، إضافة إلى آخرين من أصول غير محددة.
إغلاق المخيم تم بعد اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوساطة أمريكية، تم بموجبه نقل صلاحيات الأمن إلى دمشق ودمج الوحدات الكردية تدريجيًا ضمن الجيش السوري، في خطوة تصفها دمشق بـ”استعادة السيطرة الكاملة على شمال شرق البلاد”.
انسحاب أمريكي وخلية نائمة محتملة
الانسحاب الأمريكي، الذي من المتوقع أن يكتمل خلال شهرين، جعل المنطقة أكثر هشاشة أمام تهديدات الإرهاب. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (Centcom) أنه منذ 21 يناير تم نقل أكثر من 5,700 مقاتل بالغ من داعش من مراكز الاحتجاز في سوريا إلى العراق، لكن آلاف الأسرى وغيرهم من المشتبه بهم ظلوا في وضع غامض خلال الإجلاء السريع.
كما حذر خبراء أمنيون من أن الفراغ الذي رافق نقل المخيمات قد يسمح بعودة نشاط خلايا داعش النائمة، لا سيما بعد أن أعلن التنظيم تنفيذ هجومين ضد القوات السورية شمالًا وشرقًا، واصفًا البلاد بأنها “انتقلت من الاحتلال الإيراني إلى الاحتلال التركي-الأمريكي”.
التاريخ الأسود لمخيم الهول
مخيم الهول، الذي أُنشئ في التسعينيات لاستضافة اللاجئين العراقيين، تحول خلال سنوات النزاع في سوريا إلى مركز احتجاز للأسر المشتبه في صلتهم بداعش، بما في ذلك الأطفال الذين لم يشاركوا في الأعمال القتالية. كان المخيم يمثل عقبة إنسانية وسياسية ضخمة، حيث وصفته الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان بأنه مكان “احتجاز تعسفي” تُركت فيه العائلات لتتعرض للإهمال ونقص الخدمات الأساسية، بما في ذلك الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
إغلاق المخيم يأتي بعد أن أتمت قوات سوريا الديمقراطية عملية تسليم السيطرة إلى الحكومة السورية في يناير، مع التزام دمشق بدمج الوحدات الكردية في الجيش الوطني تدريجيًا، وهو ما يمثل مرحلة جديدة في إعادة هيكلة السلطة في شمال شرق البلاد.
عمليات الإجلاء والفوضى المصاحبة
الإخلاء لم يقتصر على القوافل الرسمية؛ بل شمل خروج أفراد بمفردهم في ظروف غامضة. ووفق وكالة “أنها”، فإن آخر قافلة شملت 17 عائلة حوالي 66 شخصًا، معظمهم من النساء والأطفال، كما تم نقل مجموعة أخرى تضم نحو 350 شخصًا من أسر مقاتلي داعش إلى ريف إدلب الشمالي الغربي.
مع الإغلاق، ظهرت مقاطع فيديو تُظهر اندلاع حرائق في عدة خيام ومرافق بالمخيم شبه الفارغ، ما أثار مخاوف من احتمالية تدمير وثائق أو أدلة هامة تتعلق بالأنشطة الإرهابية، الأمر الذي قد يعرقل أي جهود تحقيق أو متابعة قانونية مستقبلية.
قراءة استراتيجية: إعادة تعريف السيطرة الدولية
إغلاق المخيم يتزامن مع مرحلة إعادة تحديد الدور الدولي في سوريا. فالانسحاب الأمريكي من قواعد مثل التنف والشدادي يترك الحكومة السورية المسؤولة الكاملة عن شمال شرق البلاد. هذا الوضع قد يُستغل من قبل تنظيم الدولة لإعادة ترتيب صفوفه، بينما قد تسعى بعض الدول الإقليمية لاستثمار الفراغ لتعزيز نفوذها في المنطقة.
كما أن انسحاب القوات الأمريكية يثير تساؤلات حول مدى قدرة دمشق على الحفاظ على الأمن في مناطق كانت تحت سيطرة قسد، خصوصًا مع وجود آلاف النازحين السابقين الذين يحملون ذكريات مرتبطة بالنشاطات الإرهابية، ويحتاجون لبرامج إعادة تأهيل وتأمين فعالة.
التحديات الإنسانية: مليون نازح بين الفقر والمخاطر
يشكل الوضع الإنساني في شمال شرق سوريا ضغطًا إضافيًا على الحكومة السورية والمجتمع الدولي، إذ يقدر عدد النازحين داخليًا بحوالي مليون شخص، معظمهم في مخيمات مكتظة أو في مناطق معزولة، مع نقص الخدمات الأساسية، خصوصًا الغذاء والمياه والرعاية الطبية. وقد يؤدي أي فراغ أمني إلى زيادة التهجير الداخلي أو الهروب الجماعي، ما يفاقم أزمة إنسانية مزمنة بالفعل.
التحذيرات الدولية: داعش قد يعيد تشكيل خلاياه
الخبراء الأمنيون حذروا من أن التنظيم قد يعيد تنشيط خلاياه النائمة ويستفيد من الفوضى لإعادة تأسيس قدراته التنظيمية، خاصة في ظل انسحاب القوات الأمريكية من سوريا. وأكد بعض المراقبين أن “أي ضعف في السيطرة الأمنية، حتى لو كان مؤقتًا، قد يسمح لداعش باستغلال الفرصة لإعادة بناء وجوده في مناطق نائية أو حدودية”.
الخلاصة: مرحلة حرجة ومراقبة دولية مشددة
إغلاق مخيم الهول وعودة السيطرة إلى الحكومة السورية يمثلان مرحلة مفصلية في الصراع السوري. فالانسحاب الأمريكي وإعادة دمج الوحدات الكردية في الجيش الرسمي قد يمنح دمشق فرصة لإعادة فرض سيطرتها، لكنه في الوقت نفسه يترك فراغًا قد يؤدي إلى إعادة انتشار داعش، ويزيد احتمالية تفاقم التوترات الأمنية والإنسانية في شمال شرق سوريا.
وبينما يراقب العالم عن كثب التطورات، فإن أي خطوة خاطئة في إدارة النازحين أو التعامل مع المقاتلين السابقين قد تفتح الباب لموجة جديدة من العنف والفوضى، ويجعل من شمال شرق سوريا نقطة صراع محورية بين القوى الإقليمية والدولية، مع تداعيات قد تمتد إلى العراق والدول المجاورة.










