يشهد المجتمع المصري تحولات بنيوية وهيكلية في أنماط الانتماء والتدين، تبرز بوضوح لدى الفئات العمرية الشابة المعروفة بـ “جيل زد”.
ويعكس هذا الجيل نمطا جديدا من الاستقلالية، حيث لم يعد يبحث عن مؤسسة احتواء تقليدية (سواء كانت حزبا، تنظيما، أو حتى مؤسسة مجتمع مدني)، بل بات يركز على “الكفاءة” كدرع حماية، وعلى إيمان يصيغه بنفسه بعيدا عن القوالب الجاهزة.
وتشير بيانات الجولتين السادسة والسابعة من «مسح القيم العالمي» (WVS) والمؤشر العربي لعام 2025 إلى تحولات عميقة في أنماط التدين والانتماء لدى الشباب المصري.
وأوضح المسح أن أكثر من 85% من أبناء هذا الجيل يرون أن الدين قيمة مهمة في حياتهم، في حين لا تتجاوز نسبة الثقة في البرلمان والأحزاب السياسية ما بين 25% و30%. أما الثقة الرمزية في المؤسسات الدينية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، فتتراوح بين 45% و60%.
هذه الأرقام لا تعكس أزمة دين بقدر ما تكشف عن إعادة هيكلة جذرية في العلاقة بين الفرد والمرجعية؛ بين الإيمان بوصفه تجربة شخصية، والمؤسسة بوصفها وسيطا تقليديا.
في عصر ما بعد اليقين التنظيمي
يصعب فهم جيل زد بالأدوات التحليلية القديمة. فهو ليس ذلك الشاب الذي يسير خلف شيخ بعينه، ولا هو العلماني الصريح الذي ينأى بنفسه عن المجال الديني. بل هو كيان هجين: يستمع إلى درس في الفقه عبر يوتيوب، ثم يبحث عن رأي مخالف عبر غوغل، ثم يناقش أصدقاءه في مجموعة مغلقة على تطبيق مراسلة. إنه يمارس ما يمكن تسميته بـ«التدين الخوارزمي».
المقصود بالتدين الخوارزمي هو النمط الذي يصنع فيه الفرد منظومته الدينية عبر خوارزميات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، متجاوزا الوسيط المؤسسي التقليدي، سواء أكان حزبا دينيا أم جماعة دعوية أم شيخا بعينه. وهو لا يعني بالضرورة سطحية أو ضعفا في الإيمان، بل يعكس توقا حقيقيا للمعنى مقرونا برفض الهياكل التنظيمية التي تفرض الطاعة بديلا عن الاقتناع.
الانكشاف الهيكلي: حين تتآكل الثقة
انخفاض الثقة في المؤسسات السياسية إلى حدود 25–30% يعكس ما يمكن وصفه بـ«الانكشاف الهيكلي». فالشاب لا يرى في البرلمان أو الأحزاب أدوات فعالة لحل أزماته الاقتصادية أو تحسين شروط حياته.
هذا الشعور ليس عابرا، بل نتاج تراكم تجارب عاشها جيل ولد بين عامي 1997 و2012 تقريبا، وشهد اضطرابات سياسية حادة، وصعودا سريعا لبعض التيارات ثم أفولها، وتقلبات اقتصادية أثرت في آفاقه المهنية والاجتماعية.
المفارقة أن هذا التآكل في الثقة لم يقتصر على المؤسسات السياسية، بل طال أيضا التنظيمات ذات المرجعية الدينية.
فبينما يظل الدين قيمة مركزية، فقدت الأحزاب والحركات التي تتحدث باسمه مكانتها الإلزامية. لم يعد قطاع واسع من الشباب يرى في التنظيم الديني وسيطا ضروريا بينه وبين المقدس، بل يفضل بناء علاقته الإيمانية بصورة مستقلة.
الأزهر بين الاحترام الرمزي والاستقلال الفعلي
تحتفظ المؤسسات الدينية الرسمية، وعلى رأسها الأزهر، بمستوى ثقة أعلى نسبيا مقارنة بالمؤسسات السياسية. غير أن هذه الثقة تأخذ طابعا رمزيا أكثر منه عمليا. فالشاب المصري يحترم الأزهر بوصفه حارسا للهوية والتاريخ، لكنه لا يعود إليه بالضرورة لضبط تفاصيل حياته اليومية أو خياراته الأخلاقية.
يمكن وصف هذا النمط بـ«استقلال الذمة الدينية»: احترام للمؤسسة من بعيد، مع احتفاظ الفرد بحق اتخاذ قراراته بنفسه. وهو تحول جوهري عن أنماط الاتباع التقليدية التي كانت تمنح المؤسسة دور الحكم النهائي في القضايا الدينية والاجتماعية.
السؤال المفتوح هو ما إذا كانت هذه المكانة الرمزية قادرة على الصمود دون تجديد حقيقي في الخطاب وآليات التواصل. فجيل يعيش على المنصات الرقمية ويتلقى معارفه عبر خوارزميات مخصصة، لن يكتفي بخطاب أحادي الاتجاه.
سقوط الأساطير التنظيمية
التدين الخوارزمي ليس ظاهرة معزولة، بل نتيجة مسار تاريخي شهد فيه جيل زد سقوط «الأساطير التنظيمية». رأى بأم عينه صعود تيارات رفعت شعارات كبرى عن الحلول الشاملة، ثم عجزت عن تقديم إجابات واقعية لأزمات المعيشة والكرامة. واكتشف أن الانتماء التنظيمي قد يفرض كلفة عالية: طاعة، انخراط في صراعات، وتنازل عن مساحة النقد الفردي.
نتيجة ذلك، حدثت قطيعة معرفية وشعورية مع الجماعة بوصفها الوعاء الحصري للإيمان. لم يعد الشاب يقبل تفويض جهة واحدة في تفسير النصوص أو تحديد الموقف الأخلاقي. بل يمارس دور «المحرر» الذي يجمع الآراء، ويقارن بينها، ويختار ما يراه أقرب إلى قناعته.
مجتمعات الاختيار الرقمية
لا يعني هذا المسار عزلة روحية، بل العكس. فقد نشأت «مجتمعات اختيار رقمية» تحل محل الجماعات التقليدية. مجموعات نقاش على تطبيقات المراسلة، حسابات تقدم محتوى دينيا بلغة بصرية جذابة، بودكاست يناقش العلاقة بين الإيمان والصحة النفسية، ومنصات تتيح حوارا أفقيا بعيدا عن الوعظ المباشر.
الميزة الأساسية لهذه المجتمعات هي غياب الإلزام. يمكن الانضمام والمغادرة بسهولة، وأخذ ما يقنع وترك ما لا يقنع، دون تكلفة اجتماعية مرتفعة. غير أن هذا النمط يطرح تحديات: هل ينتج هوية دينية متماسكة قادرة على الصمود أمام اختبارات الحياة الكبرى؟ أم أنه يخلق إيمانا مرنا إلى حد الهشاشة؟
ليس أزمة دين بل إعادة تشكيل
القراءة السطحية قد ترى في هذه الظواهر تراجعا في التدين. لكن الأرقام تقول إن أكثر من 85% من الشباب يعتبرون الدين قيمة مهمة. ما يتغير ليس جوهر الإيمان، بل شكله وقنواته.
ليس أزمة دين — بل إعادة تشكيل
الخطأ الأكبر في قراءة هذه الظاهرة هو اختزالها في مقولة «ضعف التدين» أو «أزمة الهوية الدينية». فالبيانات تقول صريحا إن أكثر من 85% من الشباب المصري يرون الدين قيمة مهمة في حياتهم، وهو رقم لا يدل على أزمة دين بأي معنى مألوف.
ما تشهده مصر في علاقة جيل زد بالدين ليس انحسار الإيمان، بل إعادة هيكلة جذرية في أنماط التعبير عنه وطرق الوصول إليه ومنابع استقائه. وهي إعادة هيكلة تتشابه في بعض أوجهها مع ما شهدته مجتمعات غربية وآسيوية سبقت مصر في التعرض لثورة المعلومات وتأثيراتها على الهويات الدينية والسياسية.
والفارق الجوهري بين ما تشهده مصر وما شهدته تلك المجتمعات هو أن جيل زد المصري لا ينحو نحو اللادينية أو العلمانية الصلبة، بل نحو تدين شخصي أكثر سيولة وأقل تنظيما. فالإلحاد ليس الوجهة التي يسير إليها هذا الجيل، بل الفردانية الدينية: الإيمان بالله والتدين الشخصي دون الوساطة التنظيمية الإلزامية.
«لم يعد الشاب يبحث عن مؤسسة تؤويه أو تنظيم يحتويه، بل عن كفاءة تحميه وعن إيمان يصنعه بنفسه في زمن اللا يقين»
وربما كانت العبارة الأكثر دقة في وصف هذا الجيل هي أنه يبحث عن «كفاءة» لا عن «انتماء». الكفاءة بمعناها الشامل: الكفاءة الاقتصادية التي تؤمن له سبل العيش، والكفاءة الروحية التي تعطيه معنى وإجابات في الأوقات الصعبة، والكفاءة الاجتماعية التي تمنحه علاقات حقيقية دون تكاليف الانتماء التنظيمي الثقيلة.
أسئلة مفتوحة أمام المؤسسات
تضع هذه البيانات المؤسسات الدينية والسياسية المصرية أمام جملة من الأسئلة التي يصعب الهروب منها: كيف تتواصل مع جيل رفض الخطاب الأحادي والأسلوب الوعظي الإلزامي؟ كيف تقدم نفسها لمن يرى أن قيمتها الوظيفية تراجعت ولم تثبت فاعليتها في مواجهة التحديات الحقيقية؟ وكيف تعيد بناء الثقة مع جيل لا يعطيها منذ البداية بلا إثبات؟
والجواب الذي تقترحه قراءة هذه البيانات ليس استئناف الخطاب التقليدي القديم بأصوات أعلى، ولا تقديم نسخ «معصرنة» من المحتوى التنظيمي ذاته. بل هو تحول جوهري في علاقة المؤسسة بالفرد: من علاقة الوصاية والتبعية إلى علاقة الشراكة والإقناع. من «هذا ما يجب أن تفعله» إلى «هذا ما نفهمه معا».
وإن فشلت المؤسسات في هذا التحول، فإن جيل زد لن ينتظرها. سيواصل بناء مرجعياته بنفسه، عبر الخوارزميات والمجتمعات الرقمية، في ظاهرة تتسع وتتعمق كل يوم في قلب المجتمع المصري.










