خاص| المنشر الاخابري، 25 فبراير 2026، في مشهد نادر الحدة والمفارقة، كان الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني يمنح ضيفه المثير للجدل قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» اعترافا دبلوماسيا لافتا في قصر الرئاسة بعنتيبي، فيما كان نجله وقائد جيشه الجنرال موهوزي كاينيروغابا يجهز بندقيته السياسية ليصوب هجوما وصف فيه حميدتي بـ«المتمرد والمجرم»، في مفارقة كشفت عن شرخ عميق داخل هرم السلطة في كامبالا تجاه الأزمة السودانية.
هذا التناقض الصارخ يستدعي تفكيكا دقيقا: هل نحن أمام انقسام حقيقي داخل مؤسسة السلطة الأوغندية؟ أم أمام لعبة أدوار محسوبة تخدر بها كامبالا جميع الأطراف وتحافظ على مصالحها في آن واحد؟
حميدتي في عنتيبي
استقبل موسيفيني حميدتي في 20 فبراير 2026 في مقر رئاسته بعنتيبي، وهو أول ظهور علني لقائد الدعم السريع منذ سبتمبر الماضي حين ظهر في مدينة نيالا بجنوب دارفور.
وجاء اللقاء بعد نحو أسبوع واحد من استقبال موسيفيني نفسه لنائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني مالك عقار، في ما بدا تحركا أوغنديا لتكثيف الجهود الرامية إلى تحقيق وقف لإطلاق النار.
وخلال حديثه مع الجالية السودانية في عنتيبي، أوضح حميدتي أن زيارته جاءت بدعوة من موسيفيني الذي أبلغه بأن الحكومة السودانية هي من طلبت منه التدخل للإسهام في إنهاء الحرب، دعاء بالغ الأهمية إن صح، إذ يعني أن كامبالا أصبحت وسيطا معترفا به من الطرفين، أو على الأقل هذا ما تسعى إليه.
لكن الخرطوم سارعت إلى النفي والإدانة.
وصفت الخارجية السودانية استقبال موسيفيني بأنه «خطوة غير مسبوقة تسيء للإنسانية والشعب السوداني»، وأضافت أن الصورة الاحتفائية التي استقبلت بها الحكومة الأوغندية حميدتي «تستهزئ بأرواح المواطنين الأبرياء الذين قتلوا في الحرب».r
موهوزي: تصريحات الجنرال بين الهجوم والعادة
في اليوم التالي للزيارة تقريبا، شن الجنرال موهوزي كاينيروغابا هجوما هو الأعنف من نوعه على حميدتي، واصفا إياه في سلسلة تغريدات على منصة «إكس» بـ«المجرم الملطخ بدماء السودانيين والأفارقة»، ومؤكدا أن القوات الأوغندية ستعمل بالتنسيق الكامل مع الجيش السوداني لـ«الثأر للضحايا وتطهير دارفور من الإرهاب»، وأن أي محاولة من قوات الدعم السريع لتحقيق نصر داخل السودان «لن تحدث أبدا».
والرجل ليس غريبا على هذا النوع من التصريحات المدوية. سبق له في ديسمبر 2024 أن هدد بـ«غزو الخرطوم» بمجرد تولي ترامب السلطة، وهو ما استنكرته الخارجية السودانية ووصفته بـ«الرعونة»، فاضطرت الحكومة الأوغندية إلى الاعتذار الرسمي. وقد سبق أن أكدت السلطات في كامبالا أن آراءه لا تمثل الموقف الرسمي للحكومة.
وفي تدويناته الأخيرة، ذهب موهوزي أبعد من ذلك حين دعا الاتحاد الأفريقي وقادة الدول الأفريقية إلى تقديم دعم مالي لقواته لمواجهة الدعم السريع في السودان، وأشار إلى استعداده للتنسيق مع الجيش الشعبي في جنوب السودان لمواجهة «التهديدات المشتركة في المنطقة».
فرضيتان لا ثالثة لهما
ثمة قراءتان رئيسيتان لهذا المشهد، وكلتاهما تحمل خطورتها الخاصة على حميدتي وطموحاته:
الفرضية الأولى: انقسام حقيقي بين الأب والابن: يكتسب موقف موهوزي زخما استثنائيا كونه ليس فقط قائدا للجيش، بل الخليفة المرجح لوالده في سدة الحكم. وما يمنح هذا الشرخ أهمية استراتيجية هو أن الجنرال يمثل التيار العسكري الذي يخشى تضرر سمعة البلاد القارية جراء التقارب مع قائد متهم بالإبادة الجماعية.
و بمعنى آخر: الأب يدير لعبة الوساطة والمصالح قصيرة الأمد، بينما الابن يضع أمامه صورة أوغندا في مرحلة ما بعد موسيفيني.
الفرضية الثانية: توزيع أدوار محسوب وهي الفرضية الأكثر إثارة للقلق من منظور حميدتي. تجيد الأنظمة العريقة استخدام أداة «اليد اليمنى تصافح واليد اليسرى تلوح بالسيف» لإبقاء جميع الأطراف محتاجة إليها.
موسيفيني يستقبل حميدتي ليظهر أنه وسيط منفتح، وابنه يهاجمه ليظهر للخرطوم والمجتمع الدولي أن الباب ليس مفتوحا بلا سقف.
والنتيجة: أوغندا تضمن عدم خسارة أي طرف، وترسخ موقعها ضرورة لا بديل عنها في أي تسوية قادمة.
الكلفة الفعلية على حميدتي
بمعزل عن النية الكامنة وراء التصريحات الأوغندية، فإن هذا الهجوم يقطع الطريق على محاولات حميدتي لانتزاع شرعية إقليمية من أوغندا، محولا الزيارة من نصر دبلوماسي إلى هزيمة معنوية. فالصورة التي كان يريدها حميدتي للزيارة — صورة القائد المقبول إقليميا الساعي للسلام — تبددت تحت وطأة تغريدات الجنرال.
وتأتي هذه الضربة في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ تزامنت مع صدور تقرير أممي اتهم قوات الدعم السريع بارتكاب أعمال إبادة جماعية في دارفور، ولا سيما إثر اقتحام الفاشر وارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين، مما أدى إلى تصاعد حدة الانتقادات الدولية ضده.
والأخطر أن محللين يرون أن المصالح الاقتصادية في قطاع الذهب والتجارة البينية تلعب دورا خفيا في صياغة التقارب بين بعض النخب الأوغندية وقوات الدعم السريع، إلا أن الهجوم الأخير قد يقلص من مساحات حركة حميدتي في منطقة شرق أفريقيا، ويضعه أمام واقع جديد يتسم بالحذر والريبة من تحركاته.
خلاصة: ورطة الزيارة
ذهب حميدتي إلى كامبالا يبحث عن شرعية إقليمية وكسر عزلته. غادر منها بصورة رئيس يصافحه، وتغريدات قائد جيشه وريث السلطة تصفه بالمجرم. أوغندا لا تزال مترددة بشأن موقفها من الحرب في السودان، وهذا الغموض المحسوب هو ورقة قوتها الحقيقية في المعادلة الإقليمية.
أما حميدتي، فبات أمام مشهد أكثر تعقيدا: حتى الداعمون الضمنيون يتحوطون من التورط العلني في مصيره.












