جنيف | في مشهد دبلوماسي يحبس الأنفاس، خيم الهدوء الحذر على أروقة مدينة جنيف السويسرية، اليوم الخميس 27 مارس 2026، بعد إعلان سلطنة عمان عن تعليق مؤقت للجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة بين وفدي إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
وجاء هذا التوقف بعد ماراثون من تبادل الرسائل والمقترحات “المبتكرة”، في محاولة لكسر الجمود المحيط بالملف النووي الإيراني.
البوسعيدي: “أفكار إبداعية” والحاجة لاستراحة
أعلن وزير الخارجية العماني، بدر البوسعيدي، عبر حسابه الرسمي على منصة (X)، أن الوفدين قررا وقف الاجتماع مؤقتا لأخذ استراحة بعد تبادل مكثف للأفكار.
وكتب البوسعيدي بنبرة تفاؤلية مشوبة بالحرص: “كنا نتبادل الأفكار الإبداعية والإيجابية في جنيف اليوم، والآن أوقف المفاوضون الأمريكيون والإيرانيون الاجتماع لأخذ استراحة، ونأمل في إحراز مزيد من التقدم عند الاستئناف”.
من جانبه، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أن المحادثات التي استمرت ثلاث ساعات في الفترة الصباحية لم تنته، بل خضعت لجدولة جديدة، حيث من المقرر استئنافها في تمام الساعة الخامسة والنصف أو السادسة مساء بتوقيت جنيف (الثامنة والنصف مساء بتوقيت طهران)، مما يشير إلى رغبة الأطراف في مواصلة النقاش رغم الصعوبات.
حضور تقني لافت وعقبات “تخصيب اليورانيوم”
تميزت هذه الجولة بحضور رافائيل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، بصفة مراقب فني ومستشار في القضايا التنظيمية.
ونشرت الخارجية العمانية صورا للقاء البوسعيدي وغروسي، مؤكدة على أهمية الدور المهني للوكالة في ضمان “الشفافية والمصداقية” وإدارة الإجراءات الفنية للملف المعقد.
إلا أن الأجواء الإيجابية التي حاول الوسيط العماني بثها اصطدمت بتقارير حول “خلافات جوهرية”. فقد كشف مصدر دبلوماسي إيراني لوسائل إعلام دولية أن نقطة الخلاف الرئيسية تكمن في إصرار الجانب الأمريكي على وقف كامل لتخصيب اليورانيوم وتسليم المخزون المخصب بنسبة 60% إلى واشنطن.
ونقلت قناة “الجزيرة” عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن “مبدأ الوقف الدائم للتخصيب، وتفكيك المنشآت النووية، ونقل احتياطيات اليورانيوم إلى خارج البلاد أمر غير مقبول ومرفوض تماما”، مشددا على أن طهران لن تقبل بأي شروط تمس “جوهر قدراتها النووية السلمية”.
الصواريخ الباليستية.. خط أحمر جديد
لم تقتصر التعقيدات على الشق النووي، بل امتدت لتشمل القدرات الدفاعية. فبينما صرح ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي (ومستشار الأمن القومي في إدارة ترامب)، بأن الصواريخ الباليستية والقوة البحرية الإيرانية تشكل “تهديدا خطيرا” يجب معالجته، جاء الرد الإيراني حاسما.
وأكد المسؤول الإيراني الكبير أن المقترح الذي قدمته طهران في جنيف “لا يتضمن أي أفكار حول أنظمة الصواريخ أو البرامج الدفاعية”، معتبرا أن هذه الملفات خارج نطاق التفاوض النووي.
دبلوماسية حافة الهاوية: الفرصة الأخيرة؟
تأتي هذه المفاوضات في توقيت حساس للغاية، حيث حذر مراقبون من تداعيات فشلها.
وفي هذا السياق، قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “إذا لم تصل هذه المفاوضات إلى انفتاح دبلوماسي، وخلصت الأطراف إلى أن التقدم غير كاف، فقد تستنتج إدارة ترامب أن إيران لا تملك المرونة الكافية، مما قد يدفعها لاستخدام أدوات الضغط القصوى أو حتى القوة العسكرية”.
الوساطة العمانية: محاولة لابتكار الحلول
تحاول مسقط عبر وزير خارجيتها تهيئة الظروف لـ “اتفاق عادل بضمانات دائمة”.
وذكرت الخارجية العمانية أنها شاركت مقترحات إيرانية تلقتها الليلة الماضية مع الفريق الأمريكي، تضمنت مراجعة شاملة لكيفية إدارة العناصر الرئيسية للبرنامج النووي، مع تقديم إجابات وأسئلة حول “الضمانات اللازمة” لضمان ديمومة أي اتفاق مستقبلي.
تتجه الأنظار الآن نحو جلسة المساء في جنيف؛ فهل تنجح “الأفكار المبتكرة” التي يحملها البوسعيدي في جسر الهوة السحيقة بين مطالب واشنطن “بوقف التخصيب” وتمسك طهران “بمنشآتها النووية ودفاعاتها الصاروخية”؟ الساعات القادمة قد تكون حاسمة في تحديد مسار السلم والحرب في المنطقة.










