صراع اللجمهوريون و الديمقراطيين على القرار النهائي.. معركة تحديد عتبة الحرب على إيران
طهران – المنشر الإخباري
تشهد الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية فبراير 2026 تصاعدًا ملحوظًا في الجدل الداخلي بشأن احتمال توجيه ضربة عسكرية لإيران، في ظل تعثر المفاوضات النووية وتعقيدات التحركات العسكرية الأمريكية في المنطقة. الجدل لم يعد يقتصر على السياسة الخارجية فحسب، بل امتد إلى صميم مؤسسات الحكم، خصوصًا الكونجرس، ليكشف انقسامًا حزبيًا واضحًا بين الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي، يتناول شرعية وجدوى وتوقيت استخدام القوة العسكرية.
هذا الانقسام يعكس اختلافًا عميقًا في رؤى الردع الأمريكي وحدود صلاحيات الرئيس، بالإضافة إلى التداعيات الداخلية والإقليمية لأي خطوة محتملة، وهو ما يجعل القرار النهائي رهينًا بصراع سياسي وحزبي محتدم داخل واشنطن.
الحزب الجمهوري… الردع الصارم وخيار الضربة العسكرية المطروح
يهيمن التيار الجمهوري داخل الكونجرس على موقف متشدد تجاه إيران، حيث تعتبر قيادات الحزب أن منع طهران من بلوغ قدرات نووية عسكرية يمثل أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي. ويرى هؤلاء أن استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم بمستويات عالية يشكل تجاوزًا للخطوط الحمراء، وأن التلويح بالقوة أو حتى تنفيذ ضربة محدودة ومدروسة ضرورة لفرض ردع فعال.
صلاحيات الرئيس والحق في التحرك السريع
تتبنى الشخصيات الجمهورية البارزة مبدأ أن الرئيس، بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، مخوّل باتخاذ قرارات عاجلة في حال وجود تهديد وشيك للمصالح الأمريكية، دون انتظار تفويض تشريعي طويل. ويستند هذا الطرح إلى منطق مفاده أن تكلفة ضربة محدودة أقل بكثير من تكلفة السماح لطهران بتعزيز برنامجها النووي والصاروخي، وأن أي تردد أمريكي قد يُقرأ إقليميًا على أنه ضعف، ويشجع طهران على التقدم في برامجها العسكرية.
التيار الحذر داخل الحزب الجمهوري
مع ذلك، هناك تيار أقلية داخل الحزب الجمهوري يحذر من مخاطر الانزلاق إلى صراع إقليمي واسع قد يستنزف الموارد العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة. رغم أن هذا التيار موجود، إلا أنه لا يشكل غالبية الخطاب العلني في فبراير 2026، حيث يهيمن الخطاب المتشدد على الساحة العامة ويؤكد على ضرورة إبقاء الخيار العسكري مطروحًا بجدية.
الحزب الديمقراطي… الدبلوماسية أولاً والقيود القانونية
على النقيض، يسود في صفوف الحزب الديمقراطي موقف أكثر تحفظًا، مع التركيز على الحذر القانوني والدستوري قبل أي استخدام للقوة. وتؤكد قيادات الحزب في مجلسي الشيوخ والنواب على ضرورة تقديم الإدارة الأمريكية لتقييم استخباراتي واضح ومفصل يبرر أي تحرك عسكري، مع عقد جلسات استماع رسمية لمناقشة التداعيات على القوات الأمريكية المنتشرة في الشرق الأوسط وعلى الاستقرار الإقليمي.
الرقابة التشريعية وأولوية القانون
يؤكد الديمقراطيون أن أي تحرك دون تفويض صريح من الكونجرس يشكل تجاوزًا للإطار الدستوري، مستندين إلى قانون صلاحيات الحرب الذي يمنح السلطة التشريعية دورًا رقابيًا أساسيًا في قرارات الحرب. كما يحذرون من أن أي تصعيد قد يؤدي إلى ردود فعل إيرانية غير مباشرة عبر حلفاء إقليميين، ما يوسع نطاق المواجهة ويجعل احتوائها أكثر صعوبة.
الحذر الاستراتيجي والمخاطر الإقليمية
ينطلق الديمقراطيون من تقدير أن أي عمل عسكري قد يؤدي إلى انزلاق تدريجي نحو صراع مفتوح، يصعب ضبط سقف تصعيده، خصوصًا في بيئة إقليمية متقلبة وهشة. ويشددون على أهمية استنفاد كل القنوات السياسية والدبلوماسية قبل اللجوء إلى الخيار العسكري، مستفيدين من دروس تجارب سابقة في الشرق الأوسط، والتي أظهرت مخاطر القرارات المتسرعة التي قد تؤدي إلى مواجهات طويلة وغير محسوبة.
الانقسام في اللجان والبيانات الرسمية
تجلى الانقسام الحزبي في الخطاب الإعلامي وفي البيانات الرسمية الصادرة عن لجان العلاقات الخارجية والقوات المسلحة في الكونجرس.
• ركز الجمهوريون على عنصر الردع وإعادة تثبيت مصداقية القوة الأمريكية، مؤكدين أن الرسائل الاستراتيجية قد تكون أكثر أهمية من الأثر العسكري المباشر.
• في المقابل، شدد الديمقراطيون على أولوية الدبلوماسية واستنفاد جميع القنوات السياسية قبل اللجوء إلى الخيار العسكري، محذرين من مخاطر أي خطوة متسرعة قد تؤدي إلى تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.
واستند بعض النواب الديمقراطيين إلى تجارب سابقة في المنطقة لإظهار مخاطر القرارات المتسرعة، فيما رد الجمهوريون بأن أي تردد قد يُفسر ضعفًا ويشجع خصوم الولايات المتحدة على مزيد من التصعيد.
ثلاثة مستويات للصراع
- توازن الردع الخارجي
يعتمد الجمهوريون على مبدأ الردع الصلب، مؤكدين أن التهديد باستخدام القوة أو تنفيذ ضربة محدودة يمكن أن يمنع إيران من بلوغ عتبة نووية ويعيد تثبيت مصداقية الردع الأمريكي.
مع ذلك، تواجه هذه المقاربة تحديين رئيسيين:
1. الضربة المحدودة قد تؤخر البرنامج النووي لكنها لا تنهيه، ما يفتح الباب أمام دورة تصعيد متبادل.
2. إيران تمتلك أدوات رد غير تقليدية عبر شبكات حلفائها الإقليميين، ما يوسع نطاق المواجهة خارج الأهداف المباشرة للضربة.
في المقابل، يرى الديمقراطيون أن الردع لا يتحقق فقط عبر القوة العسكرية، بل يتطلب تحالفات دولية وضغوط اقتصادية وتفاهمات مرحلية لضبط السلوك الإيراني دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
- الحسابات السياسية الداخلية
يعكس الخلاف الحزبي صراعًا أعمق حول من يحدد عتبة الحرب: هل الرئيس وحده أم السلطة التشريعية؟
• إذا مضت الإدارة في تحرك عسكري واسع دون تفويض واضح من الكونجرس، فقد يفاقم الاستقطاب الداخلي ويقوض الإجماع الوطني الضروري لإدارة صراع طويل.
• بالمقابل، اشتراط تفويض مسبق قد يحد من مرونة الردع السريع، ما يضع النظام السياسي الأمريكي أمام اختبار دقيق بين السرعة والشرعية، وبين الحسم العسكري والرقابة الدستورية.
- التداعيات الإقليمية والدولية
أي ضربة أمريكية لإيران ستؤثر مباشرة على معادلات الأمن في الخليج وشرق المتوسط، وقد تدفع قوى إقليمية إلى إعادة تموضع استراتيجي. كما أن ردود الفعل الدولية، خصوصًا من القوى الكبرى المنافسة، قد تعيد رسم خطوط الاصطفاف الجيوسياسي.
• التحرك الأمريكي الأحادي وغير المنسق قد يضعف القدرة على بناء جبهة ضغط موحدة.
• التحرك ضمن تحالف دولي وبسقف أهداف محدد بدقة قد يعزز الموقف التفاوضي الأمريكي ويزيد من مصداقية واشنطن على المستوى الدولي.
السيناريوهات المحتملة
1. ضربة محدودة ومدروسة: الخيار المفضل لدى الجمهوريين لإظهار الردع وإعادة الثقة في القوة الأمريكية، مع التركيز على الرسالة الاستراتيجية أكثر من الأثر المباشر للعملية العسكرية.
2. التحرك الدبلوماسي والتحفظ القانوني: الخيار الديمقراطي، الذي يركز على استنفاد كل القنوات الدبلوماسية والتحركات المشتركة مع التحالفات الدولية، لتفادي أي تصعيد لا يمكن السيطرة عليه.
3. رد فعل إقليمي واسع: أي ضربة أمريكية قد تدفع إيران وحلفاءها الإقليميين إلى إعادة التموضع الاستراتيجي، وتعقيد المشهد الأمني في الخليج وشرق المتوسط.
4. الانعكاسات الداخلية الأمريكية: الانقسام الحزبي قد يمتد تأثيره إلى الانتخابات المقبلة، ويعيد ترتيب توازنات القوة داخل الكونجرس، ويزيد الاستقطاب السياسي الداخلي.
الدروس التاريخية والمستقبلية
تجارب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، من العراق إلى سوريا وصولاً إلى إيران، أظهرت أن القرارات المتسرعة قد تؤدي إلى مواجهات مطولة ومكلفة على المستويين العسكري والاقتصادي، إضافة إلى تأثيرها السلبي على المصداقية الدولية.
• الجمهوريون يرون أن إظهار الحزم أهم من طول النزاع، معتبرين أن التأخر في الرد على إيران يُفسر ضعفًا ويشجع خصوم الولايات المتحدة على التصعيد.
• الديمقراطيون يحذرون من تصعيد محتمل قد يعيد المنطقة إلى حالة عدم استقرار أعمق، ويؤدي إلى تدخل قوى دولية منافسة تعيد رسم خطوط الاصطفاف الجيوسياسي، بما في ذلك روسيا والصين.
مواجهة مصيرية بين الردع والشرعية
يظهر المشهد الحزبي الأمريكي في فبراير 2026 منقسمًا بوضوح:
• الجمهوريون: يركزون على القوة العسكرية والردع الصارم، مع إبقاء الخيار العسكري مطروحًا كأداة جاهزة للتحرك السريع.
• الديمقراطيون: يركزون على القيود القانونية والدستورية، والدور الرقابي للكونجرس، وأولوية الدبلوماسية لضمان استقرار طويل المدى.
هذا الانقسام يجعل أي قرار أمريكي بشأن إيران محفوفًا بالمخاطر، ليس فقط على الصعيد الإقليمي، بل داخليًا أيضًا، مع تأثيرات محتملة على استقرار الحكومة، السياسات الخارجية، والانتخابات المقبلة.
الساعة تدق، والمنطقة على صفيح ساخن، وواشنطن أمام اختبار دقيق بين الحسم العسكري والشرعية الدستورية، وبين الحاجة إلى الردع والحفاظ على التوازن الدولي، وهو صراع قد يحدد شكل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط لعقود قادمة.










