الرياض- المنشر الاخباري | 27 فبراير 2026لم يكن عرض الحلقة الثامنة من مسلسل “شباب البومب” في موسمه الرابع عشر، والتي حملت عنوان “ثقة عمياء”، مجرد مرور عابر في الجدول الرمضاني المزدحم، بل تحولت إلى قضية رأي عام ومادة دسمة للنقاش عبر منصات التواصل الاجتماعي. الحلقة التي تناولت ملفاً شائكاً يتمثل في “إدمان الأدوية المقيدة”، نجحت في هزّ المياه الراكدة، لكنها في الوقت ذاته فتحت جبهة نقدية واسعة حول الطريقة التي تُعالج بها الدراما مفهوم “التوجيه الأسري” وعلاقته بالعنف.
السقوط في فخ “الحبة القاتلة”
تدور أحداث الحلقة حول شخصية “نوف” (التي تؤدي دورها ببراعة الفنانة طرفة الشريف)، وهي طالبة تعاني من ضغوط دراسية هائلة وتوتر الاختبارات. في لحظة ضعف، تقرر “نوف” منح ثقتها العمياء لصديقة سوء، لتبدأ في تناول حبوب مسكنة ومقيدة طبياً دون استشارة مختصة، ظناً منها أنها ستساعدها على التركيز.
تتصاعد الأحداث درامياً لتكشف كيف تحولت هذه “الثقة” إلى انزلاق خطير نحو الإدمان، محطمةً الصورة المثالية للفتاة المجتهدة وموقعةً أسرتها في صدمة كبرى. الرسالة التوعوية هنا كانت صريحة ومباشرة؛ إذ سعى بطل العمل ومنتجه فيصل العيسى (عامر) من خلالها إلى التحذير من أن الأدوية الطبية هي “نعمة تحت الإشراف، وباب شر مستطير عند العبث بها”، وهو ما لاقى إشادة واسعة من مختصين اجتماعيين رأوا في الحلقة محاكاة لواقع مرير يعيشه بعض الشباب خفية.
مشهد “الصفعة”: انقسام الشارع الرقمي
على الرغم من نجاح الرسالة التحذيرية من المخدرات والأدوية، إلا أن الجدل الأكبر انفجر عقب مشهد اكتشاف “عامر” لحقيقة ما تفعله شقيقته، حيث أقدم على ضربها بعنف. هذا المشهد تحديداً قسم الجمهور إلى معسكرين متضادين:
المعسكر الأول: يرى في تصرف “عامر” انعكاساً طبيعياً للصدمة، وحرارة الخوف على العرض والسمعة والحياة، معتبرين أن الأداء التمثيلي القوي كان يهدف لإظهار “حجم الكارثة” التي حلت بالمنزل، وأن القسوة هنا نابعة من محبة وخوف من ضياع مستقبل الأخت.
المعسكر الثاني (النقدي): قادته أصوات نسائية وحقوقية عبرت عن استيائها الشديد. الرأي النقدي هنا يرتكز على أن الدراما التوعوية لا يجب أن “تُشرعن” العنف تحت أي مبرر. انتقد المتابعون تصوير الأخ وكأنه الوصي الوحيد وصاحب الحق في “التربية باليد”، متجاوزاً دور الوالدين. وقالت إحدى المتابعات في تعليق لقى انتشاراً واسعاً: “استفزني مشهد ضرب الأخ لأخته.. عُرض كتصرف مفهوم ومبرر، والأخت سامحته بسهولة وكأن هذا السلوك مقبول، وهذا يرسخ لفكرة أن العنف هو الحل الأول والأخير”.
دلالات الدراما والواقعية
يُحسب لـ “شباب البومب” جرأته في طرق أبواب لم تكن تُفتح كثيراً في الكوميديا الاجتماعية، فالحلقة كانت مُصوّرة منذ الموسم السابق وتأجل عرضها، مما زاد من ترقبها. ومع ذلك، يرى نقاد أن المسلسل وقع في فخ “النمطية الاجتماعية”؛ فبدلاً من تقديم حلول قائمة على الاحتواء النفسي والطبي لمرضى الإدمان، جنح نحو الحلول القمعية التي قد تؤدي في الواقع إلى نتائج عكسية، مثل الهروب أو الانقطاع التام عن التواصل داخل الأسرة.
طرفة الشريف، بطلة الحلقة، حاولت تخفيف حدة الجدل بالتركيز على الجانب التوعوي، حيث وجهت رسالة للفتيات قائلة: “انتبهوا لا يصير فيكم مثل ما صار بنوف”، داعيةً إياهن لعدم الثقة بالغرباء أو قبول أي مواد مجهولة تحت ذريعة المساعدة على الدراسة.
ما وراء “الثقة العمياء”
النقاش الذي أثارته الحلقة يتجاوز حدود الشاشة؛ فهو يطرح تساؤلاً جوهرياً حول “حدود القوامة والسيطرة الذكورية” في مواجهة الأزمات الأسرية. هل يجب أن تظهر الدراما الواقع كما هو بكل عنفه؟ أم يجب أن ترسم مساراً “مثالياً” يُعلم الناس كيفية التعامل مع الخطأ دون استخدام القوة الجسدية؟
في النهاية، حققت حلقة “ثقة عمياء” هدفها الأول وهو “لفت الانتباه” وإثارة ضجة توعوية حول خطر الأدوية المقيدة، لكنها بقيت في مرمى نيران النقاد الذين يطالبون بدراما ترفض العنف الأسري بقدر رفضها للإدمان، مؤكدين أن بناء “الثقة” بين الإخوة لا يتم عبر الأيدي، بل عبر الحوار والاحتواء.
لقد نجح فيصل العيسى وفريقه في جعل “شباب البومب 14” حديث المجالس، ولكن يبقى السؤال: هل سيأخذ صناع العمل هذه الانتقادات بعين الاعتبار في الحلقات القادمة لتقديم نموذج تربوي يجمع بين الحزم والرحمة؟










